مَعْنَى الْحِرْصِ ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْفَرَّاءِ النَّحْوِيِّ الْمُفَسِّرِ الْمَشْهُورِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّ التَّضْمِينَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَعْنَى الْأَصْلِي لِلْكَلِمَةِ وَالْمَعْنَى الَّذِي أَفَادَتْهُ التَّعْدِيَةُ ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْعِبَارَةِ: إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ بِأَلَّا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ ، وَحَرِيصٌ عَلَى ذَلِكَ فَلَنْ أُخِلَّ بِهِ ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ قَلْبُ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ أَوْ مِنْ بَابِ الْإِغْرَاقِ فِي وَصْفِ مُوسَى نَفْسَهُ بِالصِّدْقِ حَتَّى جُعِلَ قَوْلُ الْحَقِّ كَأَنَّهُ يَسْعَى لِيَكُونَ
هُوَ قَائِلَهُ وَالْقَائِمَ بِهِ ، وَلَا يَرْضَى أَنْ يَنْطِقَ بِهِ غَيْرُهُ ، فَلَا يُخَوَّلُ مِنْ تَكَلُّفٍ ، وَإِنْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْأَخِيرِ: إِنَّهُ هُوَ الْأَوْجَهُ الْأَدْخَلُ فِي نُكَتِ الْقُرْآنِ .
وَقَرَأَ نَافِعٌ: حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ أَيْ: وَاجِبٌ وَحَقٌّ عَلَى أَلَّا أُخْبِرَ عَنْهُ تَعَالَى إِلَّا بِمَا هُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ لِمَا أَعْلَمُ مِنْ عِزِّ جَلَالِهِ وَعَظِيمِ شَأْنِهِ ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ، إِذَا عُلِمَ هَذَا فَنَقُولُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ:
بَلَّغَ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِرْعَوْنَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ - أَيْ: سَيِّدُهُمْ