وثانيها: أن يقال إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب ، سيراً خاصاً بطيئاً من المغرب إلى المشرق وسيراً آخر سريعاً بسبب حركة الفلك الأعظم ، فالحق سبحانه خص جرم الفلك الأعظم بقوة سارية في أجرام سائر الأفلاك باعتبارها صارت مستولية عليها ، قادرة على تحريكها على سبيل القهر من المشرق إلى المغرب فأجرام الأفلاك والكواكب صارت كالمسخرة لهذا القهر والقسر ولفظ الآية مشعر بذلك لأنه لما ذكر العرش بقوله: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} رتب عليه حكمين: أحدهما: قوله: {يغشي الليل النهار} تنبيهاً على أن حدوث الليل والنهار إنما يحصل بحركة العرش.
والثاني: قوله: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ} تنبيهاً على أن الفلك الأعظم الذي هو العرش يحرك الأفلاك والكواكب على خلاف طبعها من المشرق إلى المغرب وأنه تعالى أودع في جرم العرش قوة قاهرة باعتبارها قوى على قهر جميع الأفلاك والكواكب وتحريكها على خلاف مقتضى طبائعها ، فهذه أبحاث معقولة ولفظ القرآن مشعر بها والعلم عند الله.
وثانيها: أن أجسام العالم على ثلاثة أقسام ، منها ما هي متحركة إلى الوسط وهي الثقال.
ومنها ما هي متحركة عن الوسط ، وهي الخفاف ، ومنها ما هي متحركة عن الوسط ، وهي الأجرام الفلكية الكوكبية ، فإنها مستديرة حول الوسط فكون الأفلاك والكواكب مستديرة حول مركز الأرض لا عنه ولا إليه ، لا يكون إلا بتسخير الله وتدبيره ، حيث خص كل واحد من هذه الأجسام بخاصة معينة وصفة معينة وقوة مخصوصة فلهذا السبب قال: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ} ورابعها: أن الثوابت تتحرك في كل ستة وثلاثين ألف سنة دورة واحدة ، فهذه الحركة تكون في غاية البطء.