ثم قال القفال: والدليل على أن هذا هو المراد قوله في سورة يونس: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبّرُ الأمر} [يونس: 3] فقوله: {يُدَبّرُ الامر} جرى مجرى التفسير لقوله: {استوى عَلَى العرش} وقال في هذه الآية التي نحن في تفسيرها: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِى الليل النهارَ يطلبهُ حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر} وهذا يدل على أن قوله: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} إشارة إلى ما ذكرناه.
فإن قيل: فإذا حملتم قوله: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} على أن المراد: استوى على الملك ، وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً قبل خلق السماوات والأرض.
قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها وما كان مكوناً ولا موجوداً لها بأعيانها بالفعل ، لأن إحياء زيد ، وإماتة عمرو ، وإطعام هذا وإرواء ذلك لا يحصل إلا عند هذه الأحوال ، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال ، صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السماوات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها بعد خلق السماوات والأرض ، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع.
والوجه الثاني: في الجواب أن يقال: استوى بمعنى استولى ، وهذا الوجه قد أطلنا في شرحه في سورة طه فلا نعيده هنا.
والوجه الثالث: أن نفسر العرش بالملك ونفسر استوى بمعنى: علا واستعلى على الملك فيكون المعنى: أنه تعالى استعلى على الملك بمعنى أن قدرته نفذت في ترتيب الملك والملكوت ، واعلم أنه تعالى ذكر قوله: {استوى عَلَى العرش} في سور سبع.
إحداها: ههنا.
وثانيها: في يونس.
وثالثها: في الرعد.
ورابعها: في طه.
وخامسها: في الفرقان.
وسادسها: في السجدة.