44 - {وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ} حين استقرار أهل الجنة في الجنة، واستقرار أهل النار في النار إذا ما وجهوا إليهم أبصارهم يسألونهم سؤال افتخار على حسن حالهم، وسؤال تهكم وتذكير بجناية أهل النار على أنفسهم بتكذيب الرسل، وسؤال تقرير لهم بصدق ما بلغهم الرسل من وعد ربهم لمن آمن واتقى بجنات النعيم قائلين لهم: {أَنْ قَدْ وَجَدْنا} ؛ أي: قد وجدنا وتيقنا {ما وَعَدَنا رَبُّنا} على ألسنة رسله من النعيم والكرامة {حَقًّا} وصدقا لا شبهة فيه، وها نحن نستمتع بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر {فَهَلْ وَجَدْتُمْ} يا أهل النار {ما وَعَدَ رَبُّكُمْ} ؛ أي: ما أوعدكم ربكم من الخزي والنكال والعذاب على الكفر {حَقًّا} ؛ أي: صدقا {قالُوا} ؛ أي: قال أهل النار مجيبين لأهل الجنة: {نَعَمْ} ؛ أي: وجدنا ما أوعدنا به ربنا حقا كما بلغنا على ألسنة الرسل، و {نَعَمْ} حرف يجاب به عن الاستفهام في إثبات المستفهم عنه، ونونها وعينها مفتوحتان، ويقرأ بكسر العين؛ وهي لغة، ويجوز كسرهما جميعا على الإتباع. ذكره أبو البقاء.
فَإِنْ قُلْتَ: هل هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار، أو من البعض للبعض؟
قلت: ظاهر قوله: {وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ} يفيد العموم، والجمع إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في دار الدنيا.
فَإِنْ قُلْتَ: إذا كانت الجنة في السماء، والنار في الأرض فكيف يمكن أن يبلغ هذا النداء، أو كيف يصح أن يقع؟
قلت: إن الله قادر على أن يقوي الأصوات والأسماع، فيصير البعيد كالقريب. اهـ «خازن» . ويحتمل أنه تعالى يقرب إحدى الدارين من الأخرى؛ إما بإنزال العليا، وإما برفع السفلى.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف يرى أهل الجنة أهل النار وبالعكس مع أن بينهما حجابا وهو سور الجنة؟
أجيب: باحتمال أن سور الجنة لا يمنع الرؤية لما وراءه لكونه شفافا كالزجاج، وباحتمال أن فيه طاقات تحصل الرؤية منها.