ثم يبيّن الله حال المتبوعين والتابعين بعد هذا التلاعن والاجتماع في النار فيقول:
{حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} :
أَي يدخلون فوجا فوجا: يكفر بعضُهم ببعض. ويلعن بعضُهم بعضًا. حتى إذا تلاحقوا في النار واجتمعوا فيها، قالت أخراهم في المنزلة - وهم الأَتباع - في حقِّ أَولاهم مقاما - وهم القادة - ربنا هؤُلاءِ أَضلونا عن الهدى، فآتهم عذابا مضاعفا من النار - لضلالهم وإِضلالهم.
ثم حكى الله تعالى ردَّه عليهم قائلا:
{قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} :
قال الله للأتباع: لكل منكم ومن المتبوعين عذاب مضاعف .. فالأتباع: لضلالهم وتقليدهم لرؤسائهم، دون تدبّر للعواقب. والقادة: لضلالهم وإضلالهم تابعيهم .. ولكن لا تعلمون ذلك. فلهذا طلبتم المضاعفة لرؤسائكم، مع تساويكم في فظاعة الإثم.
ثم يحكى الله ردّ رؤسائهم عليهم فيقول:
{وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) } .
التفسير
39 - {وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} :
وقالت أُولاهم - وهم الرؤساءُ المتبوعون - لأُخراهم - وهم المرءُوسون التابعون لهم - بعد ما سمعوا جواب الله لهم - فيما كان لكم علينا من رجحانٍ يقتضي تخفيف عذابكم عنا .. فنحن وأَنتم متساوون في مقدار الذنب، واستحقاق مضاعفة العذاب. فذوقوا - مثلنا - العذاب المضاعف، بسبب ما كنتم تفعلونه كل من الكفر والانقياد لنا ..
ومن هنا، يتبيّن أن التقليد في عقائد الناس وآرائهم - بدون رويّة - عظيم الخطورة .. فلا بدّ - لكلِّ عاقل - من التدبر قبل الاعتقاد، ضمانا للسلامة.