هُنَا ، فَالْغِشَاءُ: الْغِطَاءُ ، وَمِنْهُ اسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ، وَالْفَرَسُ الْأَغْشَى مَا تَسْتُرُ غُرَّتُهُ جَبْهَتَهُ . وَالْمُرَادُ: أَنَّ جَهَنَّمَ مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِمْ وَمُحِيطَةٌ بِهِمْ كَمَا فَعَلَ: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) (104: 8) وَكَمَا قَالَ: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (29: 54) (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) أَيْ وَمِثْلَ هَذَا الْجَزَاءِ نَجْزِي جِنْسَ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِلنَّاسِ بِشَرْطِهِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْمُجْرِمِينَ آنِفًا . وَأَفَادَتِ الْآيَتَانِ أَنَّ الْمُجْرِمِينَ وَالظَّالِمِينَ الرَّاسِخِينَ فِي صِفَتَيِ الْإِجْرَامِ وَالظُّلْمِ هُمُ الْكَافِرُونَ ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ ، كَمَا قَالَ: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (2: 254) وَهَذَا تَحْقِيقُ الْقُرْآنِ وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَنْهُ وَلِذَلِكَ خَالَفُوهُ فِي عُرْفِهِ .
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)
مِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، يَبْدَأُ بِأَحَدِهِمَا لِمُنَاسَبَةِ السِّيَاقِ قَبْلَهُ وَيُقَفِّي عَلَيْهِ بِالْآخَرِ ؛ وَلِهَذَا عَطَفَ بَيَانَ جَزَاءِ السُّعَدَاءِ عَلَى بَيَانِ جَزَاءِ الْأَشْقِيَاءِ فَقَالَ: