ومن المناسب بعد تلك الشحنة التي تكرهنا في أصحاب النار وفي سوء تصرفهم فيما كلفوا به أولاً ، وسبب بشاعة جزائهم ثانياً ؛ أن نتلهف على المقابل . فقال سبحانه: {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 42]
وقول الحق سبحانه وتعالى: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} جاء بين المبتدأ والخبر ، ككلام اعتراضي ؛ لأن أسلوب يقتضي إبلاغنا أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم الخلود في الجنة ، وجاءت {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} بين العمدتين وهما المبتدأ والخبر ؛ لأننا حينما نسمع {والذين آمَنُواْ} فهذا عمل قلبي ، ونسمع بعده {وَعَمِلُواْ الصالحات} وهذا عمل الجوارح ، وبذلك أي بعمل القلب مع عمل الجوارح يتحقق من السلوك ما يتفق مع العقيدة . والاعتقاد هو يسهل دائما السلوك الإيماني ويجعل مشاق التكاليف في الأعمال الصالحة مقبولة وهينة ، ولذلك أوضح سبحانه: إياكم أن تظنوا أني قد كلفتكم فوق طاقتكم ، لا ؛ فأنا لا أكلف إلا ما في الوسع ، وإياكم أن تفهموا قولي: {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} هو رغبة في إرهاق نفوسكم ، ولكن ذلك في قدرتكم لأنني المشرع ، والمشرع إنما يضع التكليف في وسع المكلَّف .
ونحن في حياتنا العملية نصنع ذلك ؛ فنجد المهندس الذي يصمم آلة يخبرنا عن مدى قدرتها ، فلا يحملها فوق طاقتها وإلا تفسد .
وإذا كان الصانع من البشر لا يكلف الآلة الصماء فوق ما تطيق ، أيكلف الذي خلق البشر فوق ما يطيقون؟ محال أن يكون ذلك .