{الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه} ؟ ، وهم قد أصروا على ألا يعلموا على الرغم من أنهم وجدوا منه خصالاً وأشياءً حكموا بوجودها فيه وأنها صفات رسول . {سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله} [الأنعام: 124]
هنا نجد فجوة انتقالية في الأداء ، فمن قبل يتحدث سبحانه عمن يظنون أنهم كبار ، فيأتي ليقول: إن الصِّغار سيصيبهم ، وليس معنى الصغار الذل والهوان لدى الناس ، لا ، بل صغار وذل وهوان عند نفس كل منهم ذاتيًّا ، فكل منهم سيشعر بالذل أمام نفسه ويستصغر نفسه . كأن الصغار منسوباً إلى عندية الله فهو لا يزول أبداً ؛ لأنه لا توجد قوة ثانية تقول لله إن قدرك لن يتحقق . فالصغار والذل والهوان سينزل بهم هم مع كونهم أكابر المجرمين فلن يستطيعوا دفعه عن أنفسهم ، وسيصيبهم مع ذلك عذاب شديد .
لماذا العذاب الشديد؟
لقد قلنا من قبل: إن العذاب يوصف مرة بأنه أليم ، ويوصف مرة أخرى بأنه مهين ، ويوصف هنا بأنه شديد . والعذاب المهين الذي تكون فيه ذلة النفس . والعذاب الأليم الذي يكون في البنية ؛ لأن الإِنسان له بنية وله معنويات قيمية ، فمن ناحية البنية يصيبه العذاب ، ومن ناحية المعاني النفسية تصيبه الإِهانة ، فهناك من يتعذب لكنك لا تملك أن تهينه ويتحمل المشقة برجولة ، ومهما تلقى من الإِهانة فلا تزال نفسه كريمة عليه ، مصدقاً لقول الشاعر:
وتجلدي للشامتين أريهمو ... أني لريب الدهر لا أتضعضعُ
لذلك ينزل قدر الله بالعذاب على نوعين: عذاب بنية وعذاب قيم ، وهذا هو الصغار ، والعذاب الشديد ، وهو الذي لا يقوى الإِنسان على تحمله ، ولم يُنزل الحق العذاب بهؤلاء جزافاً ، لكنه بسبب ما كانوا يمكرون ، فسبحانه هو القائل:
{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118]