وقيل: من عند الله وعليه أكثر المفسرين كما قال الفراء، واعترضه بأنه لا يجوز في العربية أن تقول جئت عند زيد وأنت تريد من عند زيد، وقيل: المراد أن ذلك في ضمانه سبحانه أو ذخيرة لهم عنده وهو جار مجرى التهكم كما لا يخفى {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} في الآخرة أو في الدنيا {بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} أي بسبب مكرهم المستمر أو بمقابلته، وحيث كان هذا من أعظم مواد إجرامهم صرح بسببه. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 8 صـ}
{الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .
اعتراض للردّ على قولهم: {حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} على كلا الاحتمالين في تفسير قولهم ذلك.
فعلى الوَجه الأوّل: في معنى قولهم: {حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} يكون قوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} ردّاً بأنّ الله أعلم بالمعجزات اللائقة بالقوم المرسَل إليهم؛ فتكون {حيث} مجازاً في المكان الاعتباري للمعجزة، وهم القوم الذين يُظهرها أحد منهم، جُعلوا كأنَّهم مكان لظهور المعجزة.
والرّسالات مطلقة على المعجزات لأنَّها شبيهة برسالة يرسلها الله إلى النّاس، وقريب من هذا قول علماء الكلام: وجهُ دلالة المعجزة على صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم أنّ المعجزة قائمة مقام قول الله:"صدق هذا الرسولُ فيما أخبر به عني"بأمارةِ أنِّي أخرق العادة دليلاً على تصديقه.
وعلى الوجه الثّاني: في معنى قولهم: {حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} ، يكون قوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} ردّاً عليهم بأنّ الرّسالة لا تُعطى بسؤال سائِلها، مع التّعريض بأنّ أمثالهم ليسوا بأهل لها، فما صْدَقُ {حيث} الشّخصُ الّذي اصطفاه الله لرسالته.
و {حيث} هنا اسم دالّ على المكان مستعارة للمبعوث بالرّسالة، بناء على تشبيه الرّسالة بالوديعة الموضوعة بمكان أمانة، على طريقة الاستعارة المكنيّة.