وَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ تُعْلَمُ حَيَاةُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَأَنَّهَا أَكْمَلُ مِنْ حَيَاتِهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَأَتَمُّ وَأَطْيَبُ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْسَادُهُمْ مُتَلَاشِيَةً، وَلُحُومُهُمْ مُتَمَزِّقَةً، وَأَوْصَالُهُمْ مُتَفَرِّقَةً، وَعِظَامُهُمْ نَخِرَةً، فَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى الطَّلَلِ إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي السَّاكِنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] وَإِذَا كَانَ الشُّهَدَاءُ إِنَّمَا نَالُوا هَذِهِ الْحَيَاةَ بِمُتَابَعَةِ الرُّسُلِ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَمَا الظَّنُّ بِحَيَاةِ الرُّسُلِ فِي الْبَرْزَخِ؟ وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
فَالْعَيْشُ نَوْمٌ وَالْمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ ... وَالْمَرْءُ بَيْنَهُمَا خَيَالٌ سَارِي
فَلِلرُّسُلِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ الَّتِي هِيَ يَقْظَةٌ مِنْ نَوْمِ الدُّنْيَا أَكْمَلُهَا وَأَتَمُّهَا، وَعَلَى قَدْرِ حَيَاةِ الْعَبْدِ فِي هَذَا الْعَالَمِ يَكُونُ شَوْقُهُ إِلَى هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَسَعْيُهُ وَحِرْصُهُ عَلَى الظَّفَرِ بِهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.