وَبِرًّا.
فَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ، وَالرَّبُّ الْحَقُّ، وَالْمَلِكُ الْحَقُّ، وَالْمُنْفَرِدُ بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، الْمُبَرَّأُ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، لَا يَبْلُغُ الْمُثْنُونَ وَإِنِ اسْتَوْعَبُوا جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ بِكُلِّ أَنْوَاعِ الثَّنَاءِ ثَنَاءً عَلَيْهِ، بَلْ ثَنَاؤُهُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ هَذَا الْجَارُ.
وَأَمَّا الدَّارُ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ حُسْنَهَا وَبَهَاءَهَا، وَسِعَتَهَا وَنَعِيمَهَا، وَبَهْجَتَهَا وَرُوحَهَا وَرَاحَتَهَا، فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، فَهِيَ الْجَامِعَةُ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْأَفْرَاحِ وَالْمَسَرَّاتِ، الْخَالِيَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمُنَكِّدَاتِ وَالْمُنَغِّصَاتِ، رَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مُشَيَّدٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ، وَفَاكِهَةٌ نَضِيجَةٌ.
فَتِرْحَالُنَا أَيُّهَا الصَّادِقُونَ الْمُصَدِّقُونَ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ بِإِذْنِ رَبِّنَا وَتَوْفِيقِهِ وَإِحْسَانِهِ.
وَتِرْحَالُ الْكَاذِبِينَ الْمُكَذِّبِينَ إِلَى الدَّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَلِقَائِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.
وَلَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِينَ لَهُ الطَّالِبِينَ لِمَرْضَاتِهِ، السَّاعِينَ فِي طَاعَتِهِ، الدَّائِبِينَ فِي خِدْمَتِهِ، الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَبَيْنَ الْمُلْحِدِينَ - السَّاعِينَ فِي مَسَاخِطِهِ، الدَّائِبِينَ فِي مَعْصِيَتِهِ، الْمُسْتَفْرِغِينَ جُهْدَهُمْ فِي أَهْوَائِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ - فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ وَالْعُبُورِ، كَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمْ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، فَحَاشَاهُ مِنْ هَذَا الظَّنِّ السَّيِّئِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَحِكْمَتِهِ.
(فَصْلٌ)