الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: حَيَاةُ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَتَغَذَّى بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، كَحَيَاةِ الْمَلَائِكَةِ، وَحَيَاةِ الْأَرْوَاحِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا لِأَبْدَانِهَا، فَإِنَّ حَيَاتَهَا أَكْمَلُ مِنْ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْمُتَغَذِّي، وَلِهَذَا لَا يَلْحَقُهَا كَلَالٌ وَلَا فُتُورٌ، وَلَا نَوْمٌ وَلَا إِعْيَاءٌ، قَالَ تَعَالَى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] وَكَذَلِكَ الْأَرْوَاحُ إِذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ هَذِهِ الْأَبْدَانِ، وَتَجَرَّدَتْ: صَارَ لَهَا حَيَاةٌ أُخْرَى أَكْمَلُ مِنْ هَذِهِ إِنْ كَانَتْ سَعِيدَةً، وَإِنْ كَانَتْ شَقِيَّةً كَانَتْ عَامِلَةً نَاصِبَةً فِي الْعَذَابِ.
الْمَرْتَبَةُ الْخَامِسَةُ: الْحَيَاةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُصَنِّفُ، وَهِيَ حَيَاةُ الْعِلْمِ مِنْ مَوْتِ الْجَهْلِ، فَإِنَّ الْجَهْلَ مَوْتٌ لِأَصْحَابِهِ، كَمَا قِيلَ:
وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ ... وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ
وَأَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهِمْ ... فَلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ
فَإِنَّ الْجَاهِلَ مَيِّتُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ، وَإِنْ كَانَ حَيَّ الْبَدَنِ فَجَسَدُهُ قَبْرٌ يَمْشِي بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ - لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 69 - 70]
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [النمل: 80] ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]