الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: حَيَاةُ النُّمُوِّ وَالِاغْتِذَاءِ. وَهَذِهِ الْحَيَاةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ الَّذِي يَعِيشُ بِالْغِذَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشُّعُورِ: هَلْ تُحِلُّهَا الْحَيَاةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالصَّوَابُ: أَنَّهَا تُحِلُّهَا حَيَاةُ النُّمُوِّ وَالْغِذَاءِ، دُونَ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ، وَلِهَذَا لَا تُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ، إِذْ لَوْ أَوْجَبَ لَهَا فِرَاقُ النُّمُوِّ وَالِاغْتِذَاءِ النَّجَاسَةَ، لَنَجَسَ الزَّرْعُ وَالشَّجَرُ لِمُفَارَقَتِهِ هَذِهِ الْحَيَاةُ لَهُ، وَلِهَذَا كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الشُّعُورَ لَا تَنْجُسُ بِالْمَوْتِ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: حَيَاةُ الْحَيَوَانِ الْمُتَغَذِّي بِقَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى نُمُوِّهِ وَاغْتِذَائِهِ، وَهِيَ إِحْسَاسُهُ وَحَرَكَتُهُ، وَلِهَذَا يَأْلَمُ بِوُرُودِ الْكَيْفِيَّاتِ الْمُؤْلِمَةِ عَلَيْهِ، وَبِتَفَرُّقِ الِاتِّصَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ فَوْقَ حَيَاةِ النَّبَاتِ، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ تَقْوَى وَتَضْعُفُ فِي الْحَيَوَانِ الْوَاحِدِ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِ، فَحَيَاتُهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ: أَكْمَلُ مِنْهَا وَهُوَ جَنِينٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَحَيَاتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُعَافَى أَكْمَلُ مِنْهَا وَهُوَ سَقِيمٌ عَلِيلٌ.
فَنَفْسُ هَذِهِ الْحَيَاةِ تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا عَظِيمًا فِي مَحَالِّهَا، فَحَيَاةُ الْحَيَّةِ أَكْمَلُ مِنْ حَيَاةِ الْبَعُوضَةِ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدَ كَابَرَ الْحِسَّ وَالْعَقْلَ.