وقال: {وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11 ، فصلت: 47] ! ، فأخبر تعالى أن له علماً . أفتقر - يا بشر - أن له علماً كما أخبر في كلامه أو تخالف التنزيل ؟ .
فعلم بشر أنه (إنْ) قال:"له علم"، فيقول له: أهو داخل في الأشياء المخلوقة أم لا ؟ . فإن قال:"دخل"، كفر . وإن قال: لا . أجاز ما منع في الكلام . وأبى أن ينفي العلم فخالف التنزيل ، فحاد ، ثم قال: معنى علمه: أنه لا يجهل.
قال عبد العزيز: لم أسألك عن هذا ، قد علمت أن الله لا يجهل ، انما سألتك:
هل تثبت له علماً كما أثبته لنفسه ؟ ، وليس نفيك السوء - يا بشر - عن الله يوجب إيجاب المدح ، لأن قولك:"هذه الأسطوانة لا تجهل"ليس هو إثباتاً أن لها علماً . ولم يمدح الله ملكاً (ولا نبياً ولا مؤمنا بِنَفِي الجهل) ليدل على (أنه) إثبات العلم ، وإنما مدحهم بالعلم ، فقال: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 12] ، ولم يقل:"لا يجهلون"، وقال لنبيه: { (وَتَعْلَمَ) الكاذبين} [التوبة: 43] ، ولم يقل:"ولا تجهل"، وقال: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] ، ولم يقل:"الذين لا يجهلون"، فمن أثبت العلم نفى الجهل ، وليس (كل) من نفى الجهل أثبت العلم ، (و) على الخلق جميعاً أن يثبتوا ما أثبت الله لنفسه .
فقال بشر: أتقول: {إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75 ، لقمان: 28] وإن له (سمعاً وبصراً) كما أثبت (له عِلْماً) ؟ .
قال عبد العزيز: فقلت: إنما على الناس أن يُثبتوا ما أثَبتَ ، وينفوا ما نفى ، ويُمسكوا عن ما أمسك الله . فأخبرنا تعالى أن له علماً ، فقلت:"له علم"، ولم يخبرنا أن له سمعاً ولا بصراً ، فأمسكنا عن ذلك.
فقال بشر: قد زعمت أن لله علماً ، فما معنى علم الله ؟ .