فنفر الناس عنهم وقالوا: لو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة هداة وأدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق، فهم كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب، وتبقى فيه النخالة من الشوك والحجر.
وكذلك علماء السوء يخرج منهم الحكم، ويبقى الغل في صدورهم، والإضلال في أعمالهم.
وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب يورث
خشية الله وتقواه، ومحبته ولذة مناجاته.
أما من حصّل العلم وهو رديء الأخلاق، فما أبعده عن العلم الحقيقي النافع الجالب للسعادة في الدنيا والآخرة.
فإن من أوائل ذلك العلم أن يظهر أن في الطاعات والحسنات أرباحاً عظيمة، وأن في المعاصي سموماً قاتلة مهلكة.
وهل رأيت من يتناول سماً مع علمه بكونه سماً قاتلاً؟.
إنما الذي نسمعه من المترسمين معلومات جمعوها في أذهانهم، لم تنزل في قلوبهم، ولم تظهر على جوارحهم، وإن نطقت بها أفواههم.
فهي حديث يلفقونه بألسنتهم، يقولونه هنا مرة، وهناك مرة وليس ذلك من العلم في شي: {يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) } [النساء: 142، 143] .
فالفقه في الدين أصله وأساسه العلم بالله وأسمائه وصفاته، والعلم بدينه وشرعه، ومصدر ذلك القرآن الكريم، والسنة النبوية، ففيهما الهدى والشفاء والعلم والنور، والسعادة والفلاح: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) } [التغابن: 8] .
{قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) } [الأنعام: 104] .
والعلوم الشرعية قسمان:
1 -ما أخبر به الشارع، وهو ما علَّمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمته بما بُعث به من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر ونحو ذلك.
2 -ما أمر به الشارع من الأحكام الشرعية من واجب، ومستحب، وما نهى عنه من محرم، ومكروه.