إن نظروا إلى جلاله هابوه .. وإن نظروا إلى جماله أحبوه.
وإن نظروا إلى إحسانه شكروه .. وإن نظروا إلى شدة نقمته خافوه.
وإن نظروا إلى سعة رحمته رجوه .. وإن نظروا إلى آلائه وإنعامه حمدوه.
وإن نظروا إلى أمره ونهيه أطاعوه .. وإن نظروا إلى ندائه أجابوه.
وإن نظروا إلى توحده بالأفعال لم يتكلوا إلا عليه.
وإن نظروا إلى اطلاعه عليهم استحوا أن يخالفوه.
فهم في هذه الرتب مختلفون، وأفضلهم في هذه الدار أعلاهم غداً في دار القرار: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) } [الجمعة: 4] .
وأهم المعارف محصور في أمرين:
معرفة الربوبية .. ومعرفة العبودية.
وكمال معرفة الربوبية بينه الله بقوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } [الفاتحة: 2 - 4] .
أما معرفة العبودية فلها مبدأ وكمال .. وأول وآخر.
أما أولها ومبدؤها فهو الاشتغال بالعبودية، وهو المراد بقوله سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة: 5] .
وأما كمالها وآخرها فهو أن يعرف العبد أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله.
فعند ذلك يستعين بالله في تحصيل المطالب كلها، وهو المراد بقوله سبحانه: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة: 5] .
فعلينا إذا عرفنا الله أن نطيعه .. وإذا قرأنا القرآن فيجب أن نعمل به .. وإذا كنا نحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن نعمل بسنته .. وإذا عرفنا الشيطان فيجب أن نحذره ولا نوافقه.
وإذا كنا نحب الجنة فيجب أن نعمل لها .. وإذا كنا نخاف الله فيجب أن نقلع عن الذنوب .. وإذا عرفنا أن الموت حق فيجب أن نستعد له .. وإذا عرفنا أننا نأكل من رزق الله فيجب أن نشكره .. ونستحي منه، فلا نأكل من رزقه ونعصيه.
وعلينا أن نعمل للدنيا بقدر بقائنا فيها .. ونعمل للآخرة بمقدار بقائنا فيها.
ونعمل لله بمقدار حاجتنا إليه .. ونعمل من المعصية بقدر ما نطيق من حرارة النار، وهيهات ما لأحد بنار جهنم من طاقة.
والعمل بلا يقين كالجسد بلا روح لا فائدة فيه.