فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 496

وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا، بل فيه جوازها على الجملة، وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة.

ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} لاختلاف التأويلات في الآية، و إذ ليس يقتضي قول من قال في الدنيا الاستحالة. [1]

وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية ,وعدم استحالتها على الجملة, و قد قيل: لا تدركه أبصار الكفار. وقيل لا تدركه الأبصار: لا يحيط به، وهو قول ابن عباس. وقد قيل: لا تدركه الأبصار، وإنما يدركه المبصرون. و كل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية و لا استحالتها. وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى: {لَنْ تَرَانِي} وقوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ} [2] ـ لما قدمناه، ولأنها ليست على العموم، ولأن من قال: معناها: لن تراني في الدنيا ـ إنما هو تأويل وقوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ} ، أي من سؤالي ما لم يقدره لي.

و قوله: {لَنْ تَرَانِي} ، أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا، وأنه من نظر إلي مات. [3]

قال القاضي عياض: وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه: إن رؤية تعالى في الدنيا ممتنعة، لضعف تركيب أهل الدنيا، وقواهم [4] وقد ذكر القاضي أبو بكر ـ في أثناء أجوبته عن الآيتين ـ ما معناه: إن موسى عليه السلام رأى الله، فلذلك خر صعقًا، وإن الجبل رأى ربه فصار دكًا بإدراك خلقه الله له واستنبط ذلك، والله أعلم، من قوله: {وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [5] . وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه ـ على هذا القول.

(1) - الشريعة ج 1 ص 495 - الفصول في السيرة ج 1 ص 289 0

(2) - سورة الأعراف آية (143) .

(3) - الفصول في السيرة ج 1 ص 291 0

(4) - الشفا للقاضي عياض ج 1 ص 199.

(5) - سورة الأعراف آية 143 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت