2 -شكت امرأة مسيحية من سكان مصر إلي عمر - رضي الله عنه - أن: عمرا ابن العاص - رضي الله عنه - , قد أدخل دارها في المسجد كرهًا عنها, فيسأل عمرًا عن ذلك ,فيخبره أن المسلمين كثروا ,وأصبح المسجد يضيق بهم, وفي جواره دار هذه المرأة, وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها, وبالغ في الثمن, فلم ترض, مما اضطر عمروٌ إلى هدم دارها, وإدخالها في المسجد, ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت, ومع أن هذا مما تبيحه قوانيننا الحاضرة, وهي حالة يعذر فيها عمرو على ما صنع, فإن عمر لم يرض ذلك , وأمر عمرًا أن يهدم البناء الجديد من المسجد, ويعيد إلى المسيحية دارها كما كانت.
فهذه هي الروح المتسامحة, التي سادت المجتمع, الذي أظلته حضارتنا بمبادئها, فإذا بنا نشهد من ضروب التسامح الديني مالا نجد له مثيلًا, في تاريخ العصور حتى في العصر الحديث؛ ولهذا فإن التسامح الديني في الإسلام لا يعهد له مثيل في تاريخ العصور الماضية. [1]
هذا جانب آخر من الجوانب الإنسانية في الرسالة الخاتمة, وهو تقرير المساواة حقًا بين الناس من غير نظر إلى ألوانهم, أو أشكالهم ,أو أنسابهم , فبعد أن أعلن القرآن مبدأ المساواة في قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [2] وقف الرسول? في حجة الوداع؛ ليعلن خطابه النبوي:"أيها الناس إن ربكم واحد , وإن أباكم واحد , كلكم لآدم وآدم من تراب, إن أكرمكم عند الله أتقاكم , ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى" [3] وليست المساواة أمورًا نظرية فحسب, وإنما في مجال التطبيق العملي أكثر. ومن دلائل ذلك ما يلي:
1 -أمر النبي? يوم فتح مكة بلالًا الحبشي أن يصعد فوق الكعبة ,ويرفع الآذان [4] ,وهو عبد حبشي ,والكعبة هي القبلة المعظمة في الجاهلية والإسلام 0
(1) - روائع حضارتنا مصطفي السباعي ص 75 ص 76 - التاريخ الإسلامي محمود شاكر ج 2 ص 369
(2) - سورة الحجرات آية 13.
(3) - أخرجه أحمد في مسنده , (حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, رقم(23536) ج 5 ص 411, مجمع الزوائد ,. كتاب الأدب,. باب لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى , رقم (13079) ج 8 ص 160.
(4) - أخرجه عبد الرزاق كتاب أهل الكتابين باب رسالة السلام ج 10 ص 393 وفي مصنف ابن أبي شيبة ج 1 ص 203