الوجه الثاني: وضوح معجزاته? وبقائها وخلودها، فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم أهل زمانهم، وبحسب الفن الذي سما فيه قرنه.
فلما كان موسى غاية أهل السحر بعث إليهم موسى بمعجزة تشبيه ما يدعون قدرتهم عليه، فجاءهم منها ما خرق عادتهم، ولم يكن في قدرتهم وأبطل سحرهم ,وكذلك زمن عيسى أغنى ما كان الطب، وأوفر ما كان أهله، فجاءهم أمر لا يقدرون عليه، و أتاهم ما لم يحتسبوه من إحياء الميت، وإبراء الأكمه والأبرص دون معالجة ولا طب, وهكذا سائر معجزات الأنبياء. [1] ثم بعث محمدًا?، و جملة معارف العرب و علومها أربعة: البلاغة، والشعر، والخبر، والكهانة، فأنزل عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول من الفصاحة، والإيجاز، والبلاغة الخارجة عن نمط كلامهم، ومن النظم الغريب، والأسلوب العجيب الذي لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقه، ولا علموا في أساليب الأوزان منهجه، ومن الأخبار عن الكوائن ,والحوادث ,والأسرار , والمخبآت والضمائر، فتوجد على ما كانت، ويعترف المخبر عنها بصحة ذلك, وجاء من الأخبار عن القرون السالفة، وأنباء الأنبياء، والأمم البائدة، والحوادث الماضية ـ ما يعجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه على الوجوه التي بسطناها و بينا المعجز فيها [2] , ثم بقيت معجزات القرآن ثابتةً إلى يوم القيامة بينة الحجة ,لكل أمة تأتي، لا يخفى وجوه ذلك على من نظر فيه، وتأمل وجوه إعجازه. إلى ما أخبر به من الغيوب على هذه السبيل، فلا يمر عصر ولا زمن إلا يظهر فيه صدقه بظهور مخبره على ما أخبر، فيتجدد الإيمان، ويتظاهر البرهان، وليس الخبر كالعيان كما قيل ,وسائر معجزات الرسل انقرضت بانقراضهم، وعدمت بعدم ذواتها، و معجزة نبينا? لا تبيد ولا تنقطع، وآياته تتجدد ولا تضمحل؛ ولهذا أشار? بقوله: ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، و إنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أني أكثرهم تابعًا يوم القيامة" [3] ."
(1) - الشفا ... ج 1 - ص 370.
(2) - الشفا ج 1 ص 371.
(3) - سبق تخريجه ص 19.