7 -وقد سئل عن أيوب السختياني [1] : ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه: وقال: وحج حجتين، فكنت أرمقه ولا أسمع منه، غير أنّه كان إذا ذكر النبيّ? بكى حتى أرحمه، فلمّا رأيت منه ما رأيت، و إجلاله للنبيّ?كتبت عنه. [2]
8 -و كان مالك إذا ذكر النبيّ ? يتغيّر لونه، و ينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، وقد سئل عن سبب ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون، ولقد كنت أرى محمد ابن المنكد ر، وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه , ولقد كنت أرى جعفر الصادق [3] وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي? اصفر. وما رأيته يحدث عن رسول الله? إلا على طهارة وقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًًا، وإما صامتًًا، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل , ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق يذكر النبي -? - فينظر إلى لونه كأنه نزف - أي سال منه الدم - وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله -? , ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي? بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع, ولقد رأيت الزهريـ وكان من أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي? فكأنه ما عرفك ولا عرفته. [4]
9 -وكان ابن سيرين يضحك، فإذا ذكر عنده حديث النبي? خشع وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي? أمرهم بالسكوت، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [5] ، وأنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله. إجلالا وتوقيرًا واحترامًا وتعظيمًا له?.
تعظيم النبي?، وإجلاله، وتوقيره، شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهذه الشعبة غير شعبة المحبة بل إن منزلتها ورتبتها فوق منزلة ورتبة المحبة؛ لأنه ليس كل محب معظمًا، ألا ترى أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه , ولا يدعوه إلى تعظيمه, والولد يحب والده فيجمع له بين التكريم والتعظيم. والسيد قد يحب مماليكه ولكنه لا يعظمهم. والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم.
فدل هذا على أن التعظيم رتبته فوق رتبة المحبة, وعلى هذا فمن حق النبي? على أمته أن يهاب, ويعظم ويوقر , ويجل أكثر من كل ولد لوالده ومن كل عبد لسيده، فهذا حق من حقوقه الواجبة له, مما يزيد على لوازم الرسالة ,وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [7] .
وقال تعالى: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [8] . فبين سبحانه أن حق الرسول?
(1) - هو أيوب بن أبي تميمة كيسان، أبو بكر، السختياني البصري. تابعي. سيد فقهاء عصره، من حفاظ الحديث. رأى أنس بن مالك. وروى عن عمرو بن سلمة الجرمي، وحميد بن هلال، وأبي قلابة، والقاسم بن محمد، وعبد الرحمن بن القاسم، وعطاء وعكرمة وغيرهم. وعنه الأعمش وقتادة وشعبة ومالك وابن إسحاق وغيرهم. قال علي بن المديني: له نحو ثمانمائة حديث. وقال مالك: كان من العالمين العاملين الخاشعين توفي سنة 131 هـ. [، وسير أعلام النبلاء 6/ 15 الأعلام 1/ 382).
(2) - سبل الهدى والرشاد ج 12 ص 395) الشفا ج 2 ص 41.
(3) - أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر الهاشمي العلوي أحد أئمة الزيدية روى عنه مالك والثوري وابن عيينه وقال أبو حنيفة عنه ما رأيت أفقه منه توفي سنة 148 ه موسوعة الأعلام ج 2 ص 129)
(4) - سبل الهدى والرشاد ج 12 ص 395. الشفا ج 2 ص 42.
(5) - سورة الحجرات آية 2.
(6) - حقوق النبي? على أمته في ضوء الكتاب والسنة (ج 2 ص 419) مختصر ابن كثير ... ج 2 ص 78.
(7) - سورة الفتح آية (9)
(8) - سورة الأعراف آية (156)