والجواب أن: الروايات لم تصرح بالزنا ,وإنما صرحت بطلب المرأة إياه والغالب أن طلبها كان من أجل الزواج بها ,على ما كان معروفًا بينهم أن المرأة هي التي تطلب الزواج أحيانًا؛ وذلك لأن هؤلاء النسوة كن على علم بالكتاب المقدس ,وما فيه من خصائص النبي? في سلالة الآباء؛ بدليل أنهن بعد أن رأين ما كان في وجه أبيه من نور قد ذهب ,لم يرغبن فيه ,فلم يكن طلبهن الزنا ,وإنما كن يردن شرف النسب والطهر [1] .
يؤيد ذلك: ما ذكره ابن كثير [2] وغيره: كانت امرأة من خثعم تعرض نفسها في مواسم الحج, وكانت ذات جمال, وكان معها أمة تطوف بها كأنها تبيعها, فأتت على عبد الله بن عبد المطلب, فأظن أنه أعجبها فقالت:"إني والله ما أطوف بهذا الأدم ومالي إلى ثمنها, وإنما أتوسم الرجل, هل أحد كفؤا, فإن كانت لك إلى حاجة فقم, فقال لها: مكانك حتى أرجع إليك, فانطلق إلى رحلة, فبدا فواقع أهله, فحملت بالنبي? فلما رجع إليها. قال: ألا أراك ههنا. قالت: ومن كنت؟ قال الذي وعدتك. قالت: لا, ما أنت هو. ولئن كنت هو لقد رأيت بين عينك نورًا ما أراه الآن. وعلى فرض صحة قولهم فإن تلك النسوة طلبن وعبد الله امتنع, ولم يفعل بدليل ما جاء في بعض الروايات. أن عبد الله قال:"لمن طلبت منه ذلك:
أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فاستبينه [3]
فكيف بالأمر الذي تنوينه. ... يحمي الكريم عرضه ودينه [4]
وكانت السيدة آمنة بنت وهب تحدث أنها [5] :أتيت حين حملت به? فقيل لها: إنك حملت بنبي هذه الأمة ,فإذا وقع على الأرض فقولي:
(1) - دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 108 - تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 407 - 408 الشريعة لأبي بكر بن الحسين ج 1 ص 437.
(2) - ابن كثير هو محمد بن إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو عبد الله، البصروي، ثم الدمشقي، الشافعي. (أبوه الحافظ ابن كثير. المفسر. المؤرخ المشهور) محدث، حافظ، مؤرخ. قال ابن حجر: وسمع معي بدمشق. ثم رحل إلى القاهرة، فسمع من بعض شيوخنا، وتمهر في هذا الشأن قليلًا وتخرج بابن النجيب، ودرس في مشيخة الحديث بعد أبيه بتربة أم صالح. توفي سنة 803 هترجمته في: شذرات الذهب ج 6 ص 35 ومعجم المؤلفين 9 ص 59.
(3) - السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 178 , السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 291 - سبل الهدى والرشاد ج 1 ص 327, عيون الأثر ج 1 ص 35.
(4) - مجمع الأمثال ج 1 ص 243 نهاية الأرب في فنون الأدب ج 4 ص 230 ديوان الصبابة ج 1 ص 90.
(5) - الشريعة ج 1 ص 434 - تاريخ الطبري ج 1 ص 498 الطبقات لابن سعد ج 1 ص 55.