ولا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرد لله، والانقطاع إلى الله، والإعراض عن غير الله، وصفاء القلب لله، وإخلاص الحركات لله، كما قالت عائشة رضي الله عنها:"كان خلقه القرآن" [1] برضاه يرضى، وبسخطه يسخط، ومن هنا عبر بعضهم عن الخلة بقوله:
قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا
فإذا ما نطقت كنت حديثي ... وإذا ما سكت كنت الغيلا [2]
فإذا مزية الخلة و خصوصية المحبة حاصلة لنبينا? بما دلت عليه الآثار الصحيحة المنتشرة، المتلقاة بالقبول من الأمة، و كفى بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.} [3]
حكى أهل التفسير أن هذه الآية لما نزلت قال الكفار: إنما يريد محمد أن نتخذه حنانًا كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم، فأنزل الله ـ غيظًا لهم و رغمًا على مقالتهم هذه الآية: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [4] ، فزاده شرفًا بأمرهم بطاعته، وقرنها بطاعته، ثم توعدهم على التولي عنه بقوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [5]
قال الطحاوي مبينًا أنه يجب الإيمان بأن النبي - صلى الله عليه وسلم: خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين. [6]
قال ابن تيمية شارحًا ومعلقًا: (وحبيب رب العالمين) : ثبت له? أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح"عنه? أنه قال: إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" [7] .
(1) - أخرجه أحمد في مسنده , (حديث السيدة عائشة رضي الله عنها) , رقم (25341) ج 6 ص 163, الأدب المفرد, في حسن الخلق , (باب من دعا الله أن يحسن خلقه) رقم (308) ج 1 ص 115.
(2) - البيتين في البصائر ج 2 ص 557 , ولم ينسبه وهو لبشار بن برد في أدب الدنيا والدين ص 146.
(3) - سورة ال عمران آية 31.
(4) - سورة آل عمران آية 32.
(5) - سورة آل عمران آية 32. ويراجع: تفسير البغوي ج 1 ص 253.
(6) - العقيدة الطحاوية ج 1 ص 8 0
(7) - أخرجه ابن ماجه في سننه , [افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم] , (فضل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه) , رقم (141) ج 1 ص 50.