واعلم أن حسب [1] قد جاء بالضم والفتح والكسر على معانٍ: فحسِب بكسر السين يحسَب ويحسِبُ بفتح السين وكسرها في المضارع حِسبانًا بكسر الحاء ومحسَبة ومحسِبة بفتح السين، وكسرها بمعنى ظن فهو حاسب، والشيء محسوب أي: مظنون، والأمر: احسَب واحسب بفتح السين وكسرها، وحسِب الرجل بكسر السين حسبًا فهو أحسب إذا صار ذا شقرة وبياض كالبرص، وحسَب بفتح السين بمعنى عدّ يحسُب بضم السين [حسبًا وحسابًا وحسبانًا وحسابةً وحسبةً فهو حاسب، والشيء محسوب، والأمر احسُب بضم السين لا غير] [2] .
وأما حسُب بضم السين فمعناه: صار حسيبًا يحسُب بضم السين حسابة فهو حسيب، والذي هو من هذا الباب وينصب المفعولين هو الذي يكون بمعنى ظن، وأما الذي بمعنى: عدّ فينصب مفعولًا واحدًا، والآخران لازمان فافهم [3] .
الشاهد السادس والثلاثون بعد الثلاثمائة [4] ، [5]
حَسِبْتُ التُّقَي والجُودَ خَيرَ تجارَةٍ ... رَبَاحًا إِذَا مَا المَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقلًا
أقول: قائله هو لَبيد -بفتح اللام بن ربيعة العامري، وهو من قصيدة طويلة من الطويل وأولها هو قوله:
1 -كُبَيشَةُ حَلَّتْ بَعْدَ عَهْدكَ عَاقِلًا ... وكَانَتْ لَهُ شُغلًا عَلَى النَّأْي شاغِلَا
2 -تَرَبَّعَتِ الأشْرَافَ ثُمَّ تَصَيَّفَت ... حِسِيَّ البطاحِ وانْتَجَعْنَ السَّلائلَا
3 -تَخَيرُ مَا بَينَ الرِّجَامِ وَوَاسِطٍ ... إلَى سِدْرَةِ الرسين تَرْعَى السَّوَائِلَا
إلى أن قال:
4 -تلُومُ عَلَى الإهلاكِ في غَيرِ ضَلَّةٍ ... وهَلْ لِي مَا أَمْسَكتُ إنْ كُنتُ بَاخِلَا
5 -حَسِبتُ التُّقَى ... إلى آخره
(1) راجع هذه المعاني في اللسان مادة:"حسب".
(2) ما بين المعقوفين سقط في (ب) .
(3) أقول: تستعمل حسب في غير المتيقن؛ كقول الله تعالى: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} [المجادلة: 18] ، وهذا هو الكثير في استعمالها أنها للرجحان وقد تأتي لليقين كما في الشاهد رقم (336) الآتي بعد هذا الشاهد.
(4) ابن الناظم (75) ، وأوضح المسالك (2/ 44) ، وشرح ابن عقيل (2/ 34) .
(5) البيت من بحر الطويل، من قصيدة قاربت المائة بيت، للبيد بن ربيعة، قالها يصف الرحلة والناقة والصحراء ويفتخر بقومه بني عامر لقوله:
أولئك قومي إن تلاقت سراتهم ... تجدهم يؤمون العلا والفواضلا
وانظر بيت الشاهد في أساس البلاغة:"ثقل"، والدر (2/ 247) ، وشرح التصريح (1/ 249) ، وتخليص الشواهد (435) ، وشرح قطر الندى (74) ، وهمع الهوامع للسيوطي (1/ 149) .