بقوله تعالى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} [النور: 61] معناه: ولا بيوت آبائكم، وهذا غريب [1] ، قوله:"غير اللَّه"كلام إضافي تنازع فيه الفعلان، فلك أن تعمل أيهما شئت، فإن أعملت الثاني أضمرت المفعول في الأول، والتقدير: لا ترج غير الله ولائتخش غير اللَّه [2] ، وإن أعملت الأول أضمرت في الثاني نحوه [3] .
قوله:"إن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، قوله:"أذًى"اسمه، قوله:"لا تنفك مأمونًا"خبره، قوله:"واقيكه اللَّه": جملة في محل النصب على أنها صفة لأذى، وقوله:"واقي"اسم فاعل أضيف إلى كاف الخطاب، والضمير الذي بعد الكاف منصوب؛ لأنه مفعول ثان للواقي، والكاف مفعوله الأول، ولكنه مجرور بالإضافة، وقوله:"اللَّه"مرفوع؛ لأن اسم الفاعل عمل فيه عمل فعله على معنى: إن أذى يقيكه اللَّه، يعني: يحفظك اللَّه منه لا ينفك مأمونا، وقوله:"لا ينفك"من الأفعال الناقصة، واسمه ضمير مستتر فيه، و"مأمونا"خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله:"واقيكه اللَّه"حيث جاء الضمير فيه متصلًا مع جواز الانفصال في مثل هذا الكلام، ولكن هاهنا لا يتيسر لأجل الوزن، والأصل فيه أن يقال: إنَّ أذى واقيك اللَّه إياه، والضمير إذا كان منصوبًا باسم فاعل مضاف إلى ضمير هو مفعول أول يجوز فيه الوجهان، والمختار الانفصال عند الضرورة [4] .
الشاهد الثالث والستون [5] , [6]
فَإِنْ لا يَكنْهَا أوْ تَكُنْهُ فَإنَّهُ ... أَخُوهَا غَذَّتْهُ أُمُّهُ بِلبَانِهَا
أقول: قائله هو أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر، ويقال:
(1) انظر في شرح التسهيل لابن مالك (3/ 365) ، وفيه يقول:"وإذا وقع نهي أو نفي قبل"أو"كانت بمعنى الواو مردفة بلا .... ومثال ذلك مع النفي قوله تعالى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} إلى {أَوْ صَدِيقِكُمْ} أي ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ولا بيوت آبائكم"، وانظر أيضًا: فرائد القلائد (33) ، والجنى الداني (230، 231) .
(2) هذا على رأي البصريين. ينظر شرح التسهيل لابن مالك (2/ 167) .
(3) ينظر شرح التسهيل لابن مالك (2/ 167) .
(4) ينظر شرح التسهيل لابن مالك (1/ 152) وما بعدها، وتوضيح المقاصد (1/ 147) وما بعدها.
(5) ابن الناظم (24) .
(6) البيت من بحر الطويل، لأبي الأسود الدؤلي، في ديوانه (162) ، وانظره في: الكتاب (1/ 46) وابن يعيش (3/ 107) ، والمقتضب (3/ 98) ، والمقرب (1/ 96) ، والخصائص (1/ 265) .