قال:"وإنما أدافع أنا عن أحسابهم"لصار المعنى إلى أنه يزعم أن المدافعة تكون عن أحساب غيرهم؛ كما إذا قال: وما أدافع إلا عن أحسابهم، وليس ذلك مقصوده، بل مقصوده أنه يزعم أن المدافعَ هو لا غيره.
فإن قلتَ: لمَ لا يجوز أن يكون ذلك للضرورة؟
قلتُ: لا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة؛ لأن أدافع ويدافع واحد في الوزن.
فإن قلتَ: كان يمكنه أن يقول: فإنما أدافع عن أحسابهم أنا، فيقدم الأحساب على أنا.
قلتُ: لو كان كذلك كان الفاعل الضمير المستكن في الفعل، وكان"أنا"الظاهر تأكيدًا له والحكم يتعلق بالمؤكد دون التأكيد؛ لأن التأكيد كالتكرير، فلا يجيء إلا بعد نفوذ الحكم، فلا يكون تقديم:"عن أحسابهم"على الضمير الذي هو تأكيد تقديمًا على الفاعل؛ لأن تقديم المفعول [1] على الفاعل إنما يكون إذا ذكرت المفعول قبل أن تذكر الفاعل، لا بعد أن تذكر الفاعل، وقبل أن تذكر تأكيده، ولا سبيل لك إذا قلت: أنا أدافع عن أحسابهم إلا [2] أن تذكر المفعول قبل ذكر الفاعل؛ لأن ذكر الفاعل هنا هو ذكر الفعل، من حيث إنه مستكن في الفعل فكيف يتصور تقديم شيء عليه؟ [3] .
الاستشهاد فيه:
في قوله:"وإنما يدافع عن أحسابهم أنا"حيث أتى فيه بضمير منفصل لغرض القصر فلم يتأت له الاتصال لمعنى إلا؛ لأنا قد قلنا: إن معنى: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا: ما يدافع [عن أحسابهم] [4] إلا أنا. فافهم فإنه دقيق [5] ، وقال الشيخ عبد القاهر [6] : ولا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة؛ لأنه ليس به ضرورة، وقد حققناه [7] .
(1) في (أ) : لأن تقديمه على الفاعل.
(2) في (أ، ب) : إلى.
(3) ينظر دلائل الإعجاز (328 - 330) ، تحقيق: محمود شاكر، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب. ويراجع المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي (228) تحقيق: د. حسن هنداوي.
(4) ما بين المعقوفين سقط في (ب) .
(5) ينظر البيت في: شرح التسهيل لابن مالك (1/ 148) .
(6) هو عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي وإمام البلاغيين، له في النحو: المقتصد في شرح الإيضاح، وفي البلاغة دلائل الإعجاز وغيره (ت 470 هـ) . ينظر بغية الوعاة (2/ 106) .
(7) قال الإمام عبد القاهر:"وإذا استبنت هذه الجملة عرفت منها أن الذي صنعه الفرزدق في قوله: ( ... البيت) شيء لو لم يصنعه لم يصح له المعنى ذلك؛ لأن غرضه أن يخص المدافع لا المدافع عنه، ولو قال: إنما أدافع عن أحسابهم لصار المعنى أنه يخص المدافع عنه، وأنه يزعم أن المدافعة منه تكون عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم، كما يكون إذا قال: وما أدافع إلا عن أحسابهم، وليس ذلك معناه إنما معناه أن يزعم أن المدافع هو لا غيره فاعرف ذلك، فإن الغلط ="