نواميس الأنبياء بعدهم، ثم رأينا ناموس محمد باقيا بعده قريبا من ألف سنة. فعلمنا أنه من الأنبياء لا من الملوك.
(الحجة الثالثة)
إن نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لازمة لنبوة من قبله من الأنبياء جميعهم ثم قد وجد الملزوم الذي هو نبوة الأنبياء قبله، فيجب أن يوجد اللازم، وهو نبوته.
وإنما قلنا: إن نبوته لازمة لنبوة من قبله، لأنا أجمعنا على المقتضي لنبوتهم إرادة الله، والدليل عليها: ظهور المعجز. لكن إرادة اللّه خفية عن البشر. لا سبيل إلا معرفتها، فنفي الطريق إلى ثبوت النبوة منحصر في ظهور المعجز، والمعجز مشترك بينه وبينهم بما حققناه غير مرة.
وإنما قلنا: إن وجود الملزوم يوجب وجود اللازم للقطع بأن مكروها لا لازم له محال الوجود.
(الحجة الرابعة)
أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - أقر اليهود والنصارى في شريعته بالجزية، مع علمه بأنهم يكذبونه ويقدحون في صدقه، وما كان ذلك منه إلا مراعاة لحرمة كتابهم وأنبيائهم لأنه علم أنهم وإن تصرفوا فيها بالتبديل والتحريف المفهم لم يحرفوا الجميع، إنما حرفوا ما كان تحريفه مهما عندهم، فهم على
بقايا من شرائعهم، فراعاهم لذلك، وجعل عقوبة كفرهم به: دفع الجزية والصغار عليهم.
ومن المعلوم أنه لو كان ملكا محضا لا نبوة له لأخلى الأرض منهم على تكذيبهم له، وعدم طاعته لأن هذا شأن الملوك. لا يستبقون من خشوا عاقبته خضوعا، ولم يكن يخفى عليه أن جيش الملتين يبقى بعده، ويتطرق فهما تشكيك أمته بالشبهات والترهات، وذلك مما يضعف الناموس.
فلما تركهم بالجزية دل على أنه مأمور فيهم من الله بما لا تصبر عليه نفوس الشر، ولا يتجه على هذه الحجة إلا أن يقال: لعله تركهم ليستنبط له من تركهم هذه الشبهة، ويوهم الناس العدل وأخلاق النبوة.
لكن الجواب عنها: أنه لو كان قصده ذلك لكان ذلك يحصل له
بأن يعف عنهم في حياته فقط، ولا كان يوصى بهم كما أوصى بأمته، حتى قال:"أنا بريء ممن وافاني يوم القيامة ولدي عليه مظلمة"
وقال لهم:"لهم ما لكم وعليه ما عليكم".