وَمِنْ لُطْفِهِ بِهِمْ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْهُمْ كَانَتْ مِنْ مُوجِبَاتِ الطِّبَاعِ، وَهِي مِنْ بَقَايَا النُّفُوسِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ النُّصْرَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ، فَقَيَّضَ لَهُمْ بِلُطْفِهِ أَسْبَابًا أَخْرَجَهَا مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا آثَارُهَا الْمَكْرُوهَةُ، فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْهَا، وَالِاحْتِرَازَ مِنْ أَمْثَالِهَا، وَدَفْعَهَا بِأَضْدَادِهَا أَمْرٌ مُتَعَيِّنٌ لَا يَتِمُّ لَهُمُ الْفَلَاحُ وَالنُّصْرَةُ الدَّائِمَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ إلَّا بِهِ، فَكَانُوا أَشَدَّ حَذَرًا بَعْدَهَا وَمَعْرِفَةً بِالْأَبْوَابِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا.
وَرُبَّمَا صَحَّتِ الْأَجْسَامُ بِالْعِلَلِ
ثُمَّ إنَّهُ تَدَارَكَهُمْ سُبْحَانَهُ بِرَحْمَتِهِ، وَخَفَّفَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْغَمَّ، وَغَيَّبَهُ عَنْهُمْ بِالنُّعَاسِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ أَمْنًا مِنْهُ وَرَحْمَةً، وَالنُّعَاسُ فِي الْحَرْبِ عَلَامَةُ النُّصْرَةِ وَالْأَمْنِ، كَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ النُّعَاسُ فَهُوَ مِمَّنْ أَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ لَا دِينُهُ وَلَا نَبِيُّهُ وَلَا أَصْحَابُهُ، وَأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ.