لَمَّا عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا يُدَالُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنَّ الشّيْطَانَ إنَّمَا يَسْتَزِلُّهُمْ وَيَهْزِمُهُمْ بِهَا، وَأَنَّهَا نَوْعَانِ: تَقْصِيرٌ فِي حَقٍّ، أَوْ تَجَاوُزٌ لِحَدٍّ، وَأَنَّ النَّصْرَةَ مَنُوطَةٌ بِالطَّاعَةِ، قَالُوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ رَبَّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرْهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا هُمْ عَلَى تَثْبِيتِ أَقْدَامِ أَنْفُسِهِمْ وَنَصْرِهَا عَلَى أَعْدَائِهِمْ، فَسَأَلُوهُ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بِيَدِهِ دُونَهُمْ، وَأَنّهُ إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرْهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا وَلَمْ يَنْتَصِرُوا، فَوَفَّوُا الْمَقَامَيْنِ حَقَّهُمَا: مَقَامَ الْمُقْتَضِي، وَهُوَ التَّوْحِيدُ وَالِالْتِجَاءُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَمَقَامَ إزَالَةِ الْمَانِعِ مِنَ النَّصْرَةِ، وَهُوَ الذُّنُوبُ وَالْإِسْرَافُ، ثُمَّ حَذَّرَهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ طَاعَةِ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ إنْ أَطَاعُوهُمْ خَسِرُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَطَاعُوا الْمُشْرِكِينَ لَمَّا انْتَصَرُوا وَظَفِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ.
ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ فَمَنْ وَالَاهُ فَهُوَ الْمَنْصُورُ.
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمُ الرُّعْبَ الَّذِي يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْهُجُومِ عَلَيْهِمْ وَالْإِقْدَامِ عَلَى حَرْبِهِمْ، وَأَنَّهُ يُؤَيِّدُ حِزْبَهُ بِجُنْدٍ مِنَ الرُّعْبِ يَنْتَصِرُونَ بِهِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَذَلِكَ الرُّعْبُ بِسَبَبِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَعَلَى قَدْرِ الشِّرْكِ يَكُونُ الرُّعْبُ، فَالْمُشْرِكُ بِاللَّهِ أَشَدُّ شَيْءٍ خَوْفًا وَرُعْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِالشِّرْكِ لَهُمُ الْأَمْنُ وَالْهُدَى وَالْفَلَاحُ، وَالْمُشْرِكُ لَهُ الْخَوْفُ وَالضَّلَالُ وَالشَّقَاءُ.