إننا فِي مجالنا البشرى نقول:"فلان لا ينظر إلى فلان"أي أنه لا يوجه عيونه إليه ، ويحول حدقتيه عنه ، لكن لا يمكن قياس ذلك على الله ، لأن الله منزه عن التشبيه ففي الوضع البشرى نجد إنسانا يحب صديقا له فيقبل عليه بالوجه والنظر فيقال:"فتى هو قيد العين"أي أنه شاب عندما تنظر إليه العين فهو يقيد العين فلا تذهب عنه إلى مكان آخر ؛ ففي هذا الشاب محاسن تجعل العين لا تذهب بعيدا عنه. وهكذا نأخذ إقبال العين بالنظر على المنظور أو على المرئي كسمة للاهتمام به ، وهذا صحيح فِي الوضع البشرى.
لكن إذا ما جاء ذلك بالنسبة لله ، هنا نأخذ المسألة فِي إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} . وهكذا نفهم عدم نظر الله إلى {الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} بأن الله يهملهم ، ولا يهتم بهم"لا ينالهم الله برحمته"، فالحق سبحانه منزه عن كل تشبيه ، وهكذا الأمر فِي عدم نظر الحق إليهم ، نأخذ الأمر أيضا فِي إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} إن ولي الأمر من البشر عندما يرغب فِي عقاب أحد رعاياه ، لا ينظر إليه ويهمله ، فما بالنا بإهمال الحق سبحانه وتعالى ؟! إنه إبعاد لهم عن رحمة الله ورضوانه.
ويضيف الحق سبحانه {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} والتزكية تأتي بمعنى التطهير ، أو بمعنى الثناء أو النماء والزيادة فنقول:"فلان زكى فلانا"أي أثنى عليه ويقال أيضا:"فلان زكى فلانا"أي طهره ، ومن هذا تكون"الزكاة"التي هي تطهير ونماء.
وعندما يخبرنا الحق سبحانه أنه لا يكلم ذلك الصنف من البشر ولا ينظر إليهم ولا يطهرهم من أوزارهم ، فهذا مقدمة لما أعده لهم بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فلا بد أن نأخذ قوة الحدث بفاعل الحدث.