من أين جاء أهل الكتاب إذن بهذا الأسلوب المزدوج فِي معاملة الناس ؟ ومن الذي وضع هذا المنهج الذي يقضي بخديعة المؤمنين الأميين ؟ وهل الفضائل ومنازل الخلق تختلف فِي المعاملة من إنسان إلى آخر ؟ وهل يقضي الخلق القويم أن يأخذ إنسان الأمانة وينكرها إذا كانت لرجل أمي ؟ ويرد الأمانة ويعترف بها إن كانت ليهودي ؟ هل يصح أن يقرض إنسان أمواله بالربا لغير اليهود ، ويقرض اليهود دون ربا ؟ إذن تكون هذه المعاملات مجحفة ، هنا فضيلة ، وهناك لا فضيلة ، لا ، إن القضية يجب أن تكون مستوية ومكتملة فِي كل وقت وكل زمان ولكل إنسان ، ولا ينبغي أن تتنوع.
من أين إذن جاءوا بهذا القول وهم أهل كتاب ؟ إن هذا ضد منهج الكتاب الذي أنزله الله عليهم بل هو من التحريف والتحوير لقد خدعوا أنفسهم وألصقوا بالتشريع ما ليس فيه ، فالكتاب السماوي الذي نزل عليهم ليس به تصنيف البشر صنفين: صنف هم أهل الكتاب ولهم معاملة خاصة ، وصنف هم الأميون ولهم معاملة أخرى ، وكان عليهم ان يتعلموا من عدالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي معاملتهم.
لقد أرخ لهم رسول الله بالنص المنزل عليه من الله التأريخ الصادق والعادل ، فِي هذا القول الكريم الذي نتناوله بالخواطر إنما يسجل تاريخ اليهودية مع الإسلام. وهذا التأريخ لم يصدر فيه الله حكما واحدا يشملهم جميعا ، بل أنصف أصحاب الحق منهم ، وإن كانوا على دين اليهودية ، وبذلك استقر فِي أذهان المنصفين منهم أن الإسلام قد جاء بكل الحق ، فلو كان الإسلام قد أصدر حكما واحدا ضد كل اليهود سواء من وقف منهم ضد دعوة رسول الله أو المنصف منهم الذي تراوده فكرة الإيمان بالإسلام ، لو كان مثل ذلك الحكم العام الشامل قد صدر لقال المنصفون من اليهود: نحن نفكر فِي أن نؤمن بالإسلام فكيف يهاجمنا الإسلام هذه المهاجمة ؟ لكن الإسلام جاء لينصف فيعطي كل ذي حق حقه.