وبما أنه سينزل آخر الزمان، فلابد أنه يبقى حيا إلى حين ينزل ويبلغ شرع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لو مات قبل ذلك، لكان نزوله هذا بعثا له في الدنيا. ولا بعث إلا في الآخرة. كما دل عليه الكتاب والسنة.
والمراد من قوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أنه تعالى، يبعده عنهم بالرفع، حتى لا يبقى بين من دنسوا أنفسهم بالكفر، تنزيها له عن دنسهم. أو أنه يُبْعِد أَيديَهُم عنه، فلا تمسه بأذى .. فهم أنجاس لكفرهم.
ويصح أن يكون هذا وعدا من الله له، بأنه - في آخر الزمان - يزيل من طريقه الكافرين، فلا يستطيعون صده عن الهدى كما كانوا يفعلون قبل رفعه.
(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) :
لا يقال للأُمة: إنها اتبعت رسولها إلا إذا كانت تنفذ ما جاءَ به: اعتقادا وقولا وعملا.
والنصارى - بعد أن رفع الله عيسى - انقسموا فرقا وشيعا: فمنهم من آمن به، على أنه عبد الله ورسوله وابن أَمَتِهِ. ومنهم من غلا فيه فيجعله ابن الله. ومنهم من قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة.
وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورد على من عدا الفرقة الأُولى، التي تعتبر متبعة لرسولها، في تنزيه الله عن الصاحبة والولد والشريك.
وهذه هي العقيدة السليمة التي جاءَ بها المرسلون جميعا.
وكل من دان بها، فهو تابع لرسوله. كما هو تابع لجميع المرسلين وأصحابهم هم المؤمنون. ومن عداهم فهم كافرون.
وقد وعد الله - في هذه الآية - أنه جاعل من اتبع عيسى عليه السلام، فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، أي أنهم يكونون أعلى منهم.
والعلو المقصود من الآية: يحتمل أن يكون علوًّا في الدرجة والمنزلة عنده تعالى. فالمتبعون له - في حكم الله وقضائه - في أعلى الدرجات إلى يوم القيامة. ولا مكانة ولا منزلة عنده - جلَّ وعلا - لِمَنْ لم يتبع عيسى: بأن كفر به، أو آمن به ولكنه جعله إلها أو ابن الله. تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.