ويحتمل أن يكون العلو بمعنى الغلبة والقهر. وذلك إما بالحجة والبرهان - ولا شك أن أهل الحق منهم، أقوى حجة على أهل الباطل منهم ومن غيرهم، كاليهود والمشركين - وإما بالقتل والأسر. وقد حدث ذلك بعد رفع عيسى.
وفي ذلك يقول الله تعالى:"قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ". ولعله حدث في أوقات أُخرى مثل ذلك.
وقد انقرض المؤمنون المتبعون لما جاءَ به عيسى عليه السلام. وأصبح جميع النصارى قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يؤَلهون عيسى. ويقولون: هو ابن الله. أو هو الله. أو هو ثالث ثلاثة.
وعلى أي حال كانت عقيدة النصارى في عيسى، فإنهم - منذ البعثة المحمدية - لا يعتبرون متبعين لعيسى عليه السلام، إن كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
فقد بشر به عيسى، وأوجب عليهم تصديقه. فإذا زال عنهم وصف اتباعهم لعيسى عليه السلام - بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو عدم دخولهم في الإسلام - فقد زال استحقاقهم لوعد الله، بأن يجعل من يتبع عيسى، فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة لسببين:
أحدهما: كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبدينه.
وثانيهما: عقيدتهم الباطلة في عيسى.
وكلا السببين: مخرج لهم عن اتباعهم لعيسى عليه السلام، مستوجب لحرمانهم من وعد الله أن يكون متبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. فإنهم - بما جَنَوْا - أصبحوا كافرين.
فانتقل وعد الله لعيسى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) من النصارى إلى المحمديين، الذين هم - باتباعهم محمدًا عليه الصلاة والسلام - يعتبرون متبعين لعيسى أيضًا: فيما جاءَ به من التوحيد وأُمهات الشرائع والأحكام، التي يشترك فيها جميع المرسلين.