والنصارى إلى ناصرة ، وهما نسبتان حصلتا بعد إبراهيم.
فكذبوا فِي نسبته إليهما ، ثم المسلمون موافقون لإِبراهيم فِي كثير
من الأحكام: كحج البيت ، والختان ، والمضمضة وغير ذلك.
وهم يخالفونه فِي أكثر ذلك ، وأيضا فقد ورد فِي القرآن أن شريعتنا
موافقة لشريعته فيما حكى ، وهذا ظاهر ، ونبّه بقوله (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
أن ما يقولونه ويفعلونه بخلاف مقتضى العقل.
وأن العقل يزجر عن اتباع دعوى بلا حجة.
قوله عز وجل: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(66)
ها للتنبيه عمّا يضلّ عنه الإِنسان أو يغفل ، تقول ها أنا ذا. تنبيهاً
لمن غفل عنك.
فإن قيل: فهب أن الإِنسان يغفل عن غيره ، فكيف يغفل عن نفسمه ، حتى يقال: ها أنتم ؟
قيل: فليس حقيقة (هَا أَنْتُمْ) تنبيه المخاطب على وجود ذاته ، وإنما هو تنبيه على أحواله التي غفل عنها ، فالإِنسان قد يغفل عن كثير من معايبه
لشغفه بنفسه ، فيحتاج أن ينبّه عليه ، ولهذا لا يقتصر علي قوله:
(هَا أَنْتُمْ) حتى يُضم إليه حالة ما ، مما غفلواْ عنه ، وفي الآية تنبيه
على حالة غفلوا عنها ، وهي أنهم حاجوا فيما لا علم لهم به.
ولم ترد به التوراة والإنجيل ، فيقول: هب أنكم تحتجون فيما ورد به كتب
الله المتقدمة فلِمَ تحتجون فيما ليس كذلك ؟ ونبَّه أن المحاجة
إعلام الحجة ، ومن لا يعرفها فكيف يُعَرّفُها ؟
وفي قوله (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
استدعاء لأن يسمعوا ، كقولك لمن أخبرته بشيء لا يعلمه:
اسمع فإني أعلم ما لا تعلم ، و (هَؤُلَاءِ)
هاهنا جار مجرى الذين و (حَاجَجْتُمْ) صلته.
وقيل: بل هو تابع لأنتم جار مجرى عطف البيان ، و (حَاجَجْتُمْ) هو
الخبر ، والمعنى لا يتغير باختلاف التقديرين.