فأما الأنثى فيذكر حكمها بعد هذا ، وأما الكافر فلأنّ اختلاف الدِّين يوجب التباعد فِي الأحوال والمعاشرات والآداب فلا تمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين ، كيف وقد اشترط فِي تزكية المسلمين شدة المخالطة ، ولأنّه قد عرف من غالب أهل الملل استخفاف المخالف فِي الدين بحقوق مخالفه ، وذلك من تخليط الحقوق والجهل بواجبات الدين الإسلامي.
فإنّ الأديان السالفة لم تتعرّض لاحترام حقوق المخالفين ، فتوَهَم أَتْباعهم دحضها.
وقد حكى الله عنهم أنّهم قالوا:"ليس علينا فِي الأمّيين سبيل".
وهذه نصوص التوراة فِي مواضع كثيرة تنهى عن أشياء أو تأمر بأشياء وتخصّها ببني إسرائيل ، وتسوغ مخالفة ذلك مع الغريب ، ولم نر فِي دين من الأديان التصريحَ بالتسوية فِي الحقوق سوى دين الإسلام ، فكيف نعتدّ بشهادة هؤلاء الذين يرون المسلمين مارقين عن دين الحق مناوئين لهم ، ويرمون بذلك نبيئهم فمن دونه ، فماذا يرجَى من هؤلاء أن يقولوا الحق لهم أو عليهم والنصْرانية تابعة لأحكام التوراة.
على أنّ تجافي أهل الأديان أمر كان كالجبليّ فهذا الإسلام مع أمره المسلمين بالعدل مع أهل الذمة لا نرى منهم امتثالاً فيما يأمرهم به فِي شأنهم.
وفي القرآن إيماء إلى هذه العلة"ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا فِي الأمّيين سبيل".
وفي"البخاري"، فِي حديث أبي قلابة فِي مجلس عمر بن عبد العزيز.
وما روي عن سهل بن أبي حَثْمة الأنصاري: أنّ نفراً من قومه ذهبوا إلى خيبر فتفرّقوا بها ، فوجدوا أحدهم قتيلاً ، فقالوا للذين وجد فيهم القتيل أنتم قتلتم صاحبنا ، قالوا ما قتلنا ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكَوْا إليه ، فقال لهم:"تأتون بالبيّنة على من قتله"قالوا:"ما لنا بيّنة"، قال:"فتحلف لكم يهودُ خمسين يميناً"قالوا:"ما يُبالُون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون"، فكرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبطل دمَه ووَدَاه من مال الصدقة.