وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة 2/ 143] .
ولو لم يؤت من المعجزات والخصائص إلا القرآن وحده، لكفى به فضلا على سائر الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية أبد الدهر،
روى البخاري أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» .
وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «فضّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» .
وآتى الله عيسى بن مريم عليه السلام البينات: وهي الآيات الواضحات التي يتبين بها الحق من الباطل، كتكليمه في المهد، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه
والأبرص بإذن الله ومشيئته، وتأييده بروح القدس: جبريل عليه السلام، ردا على اليهود الذين أنكروا نبوته والطعن به، وحفظا له من أذاهم، وتبيانا لحقيقته أنه بشر مؤيد من عند الله بالآيات الواضحات، لا إله، كما زعمت النصارى في عيسى، فكان الناس في شأنه بين مفرّط ومفرط.
ولو شاء الله ما اقتتلت الأمم التي جاءت بعد الرسل، من بعد ما جاءهم الرسل بالبينات والمعجزات الدالة على الحق الموجبة لاتباعهم، ولو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلهم متفقين على اتباع الرسل وقبول الحق من ربهم، وإنما ترك لهم حرية التفكير والنظر والإدراك بالعقل الذي أودعه فيهم، ليختاروا طريق الخير والسعادة بأنفسهم، ولكنهم لم يفكروا تفكيرا سليما واختلفوا اختلافا بينا كبيرا في قبول الدين، فمنهم من آمن بما جاء به الرسل، ومنهم من كفر برسالاتهم، وقد اختلف اليهود في دينهم واقتتلوا، وكذلك النصارى اختلفوا وانقسموا، وتعددت الفرق والانقسامات في كل من اليهودية والنصرانية، واتهم كل فريق الآخر بالخروج عن أصل الدين، ووجد هذا الاختلاف أيضا بين المسلمين، حيث عصفت بهم الأهواء، وفرقتهم المصالح، واحتدم القتال فيما بينهم.