والتفضيل مشتق من الفضل وهو الزيادة؛ فمعنى (فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) هو كقوله تعالى: (وَلَقَدْ فَضلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ. . .) ، أي جعلنا لبعضهم زيادة في بعض النواحي على البعض الآخر. والفضل هنا إضافي وليس بذاتي؛ أي أن هذا ليس من ذات الرسل، إنما هو بما يختص الله بعضهم من معجزات مغايرة لمعجزات الآخرين. ثم التفضيل إضافي لأنه يكون في ناحية من النواحي، وقد يكون هناك ناحية أخرى فَضَل بها المفضول غيره، فموسى فَضَل على عيسى بأنه كلمه الله، وعيسى فُضل على موسى بأنه أحيا الموتى؛ فالتفضيل إذن إضافي في موضوعه، وفي نوعه، وفي نواحيه.
وإن تفسير التفضيل على ذلك النحو فيه توفيق بين الآيات الكريمات المثبتة للتفضيل بين الرسل وبين ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من النهي عن التخيير بين الأنبياء.
فقد روى الأئمة الثقات أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال""لا تخيروا بين الأنبياء""ولا تفضلوا بين أنبياء الله"وفوق ذلك فإن النهي عن أن يجري على ألسنة الناس تفضيل نبي بذاته على نبي آخر فتكون المشادة والملاحاة. وروى في الصحيحين عن أبي هريرة قال:"استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي؛ والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي وقال: أيْ خبيث! وعلى محمد - صلى الله عليه وسلم -؟! فاشتكى المسلم، فقال - صلى الله عليه وسلم:"لا تفضِّلوني على الأنبياء".
والنهي عن التفضيل منعا للمماراة لَا ينفي حقيقة التفضيل المقررة، كما أن النهي عن سب الأوثان لَا يثبت أنها واجبة الاحترام، إذ النهي لسد الذريعة، فلا يمنع ثبوت الحقيقة.