مشيئة مطلقة. ومعها القدرة الفاعلة. وقد قدر أن يكون الناس مختلفين فِي تكوينهم. وقدر أن يكونوا موكولين إلى أنفسهم فِي اختيار طريقهم. وقدر أن من لا يهتدي منهم يضل. وقدر أن الشر لا بد أن يعتدي ويريد العوج. وقدر أن يقع القتال بين الهدى والضلال. وقدر أن يجاهد أصحاب الإيمان لإقرار حقيقته الواحدة الواضحة المستقيمة ؛ وأنه لا عبرة بالانتساب إلى الرسل من اتباعهم ، إنما العبرة بحقيقة ما يعتقدون وحقيقة ما يعملون. وأنه لا يعصمهم من مجاهدة المؤمنين لهم أن يكونوا ورثة عقيدة وهم عنها منحرفون..
وهذه الحقيقة التي قررها الله للجماعة المسلمة فِي المدينة حقيقة مطلقة لا تتقيد بزمان. إنما هي طريقة القرآن فِي اتخاذ الحادثة المفردة المقيدة مناسبة لتقرير الحقيقة المطردة المطلقة.
ومن ثم يعقب السياق على ذكر الاختلاف والاقتتال بنداء {الذين آمنوا} ، ودعوتهم إلى الإنفاق مما رزقهم الله. فالإنفاق صنو الجهاد وعصب الجهاد:
{يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة. والكافرون هم الظالمون} ..
إنها الدعوة بالصفة الحبيبة إلى نفوس المؤمنين ، والتي تربطهم بمن يدعوهم ، والذي هم به مؤمنون: {يا أيها الذين آمنوا} ..
وهي الدعوة إلى الإنفاق من رزقه الذي أعطاهم إياه. فهو الذي أعطى ، وهو الذي يدعو إلى الإنفاق مما أعطى: {أنفقوا مما رزقناكم} ..
وهي الدعوة إلى الفرصة التي إن أفلتت منهم فلن تعود {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} ..
فهي الفرصة التي ليس بعدها - لو فوّتوها على أنفسهم - بيع تربح فيه الأموال وتنمو. وليس بعده صداقة أو شفاعة ترد عنهم عاقبة النكول والتقصير.
ويشير إلى الموضوع الذي يدعوهم إلى الإنفاق من أجله. فهو الإنفاق للجهاد. لدفع الكفر. ودفع الظلم المتمثل فِي هذا الكفر:
{والكافرون هم الظالمون} ..