ظلموا الحق فأنكروه. وظلموا أنفسهم فأوردوها موارد الهلاك. وظلموا الناس فصدوهم عن الهدى وفتنوهم عن الإيمان ، وموهوا عليهم الطريق ، وحرموهم الخير الذي لا خير مثله. خير السلم والرحمة والطمأنينة والصلاح واليقين.
إن الذين يحاربون حقيقة الإيمان أن تستقر فِي القلوب ؛ ويحاربون منهج الإيمان أن يستقر فِي الحياة ؛ ويحاربون شريعة الإيمان أن تستقر فِي المجتمع.. إنما هم أعدى أعداء البشرية وأظلم الظالمين لها. ومن واجب البشرية - لو رشدت - أن تطاردهم حتى يصبحوا عاجزين عن هذا الظلم الذي يزاولونه ؛ وأن ترصد لحربهم كل ما تملك من الأنفس والأموال.. وهذا هو واجب الجماعة المسلمة الذي يندبها إليه ربها ويدعوها من أجله بصفتها تلك ؛ ويناديها ذلك النداء الموحي العميق..
وبمناسبة الاختلاف بعد الرسل والاقتتال ، والكفر بعد مجيء البينات والإيمان.
.بهذه المناسبة تجيء آية تتضمن قواعد التصور الإيماني ، وتذكر من صفات الله سبحانه ما يقرر معنى الوحدانية فِي أدق مجالاته ، وأوضح سماته. وهي آية جليلة الشأن ، عميقة الدلالة ، واسعة المجال:
{الله لا إله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم. له ما فِي السماوات وما فِي الأرض. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وسع كرسيه السماوات والأرض ، ولا يؤوده حفظهما. وهو العلي العظيم} ..
وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية. ومع أن القرآن المكي فِي عمومه كان يدور على بناء هذا التصور ، فإننا نلتقي فِي القرآن المدني كذلك فِي مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل الهام. الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله ، ولا يستقيم هذا المنهج فِي الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس ، ويتضح ويتحول إلى حقائق مسلمة فِي النفس ، ترتكن إلى الوضوح واليقين.