يقول كلود كاهن: حافظت الأقوام المغلوبة على حرية إقامة شعائرها، لا يحدّها في ذلك سوى الامتناع عن تلك التظاهرات العامة التي تؤذي المسلمين في المناطق الآهلة بهم، كما حافظت تلك الأقوام على شرائعها الخاصة، ورأى المسلمون في أداء الضريبة لهم اعترافًا بالسيادة العليا للأمة الإسلامية، ولقاء ذلك استبقى الأهالي ما يملكون من عقارات ونزل العرب خارج ممتلكاتهم، وكان على المغلوبين أيضًا واجب الوفاء والإخلاص للفاتحين، وبخاصة في فترات الحروب كإيواء المسلمين وتزويدهم بالأخبار والامتناع عن إفشاء المعلومات للعدو.
يقول كرامرز (2) : إن أورشليم القدس المركز الديني الأسمى لأوربا النصرانية دخلت منذ السنة 638 م في حوزة الإسلام إلا أن الفتح الإسلامي لم يمنع من زيارة القبر المقدس، أو يحل بين الأوربيين المسيحيين وبين إنجاز هذه الفريضة الدينية.
يقول جوليفيه كستلو: ما كان الحكم التركي الذي امتد ظله إلى المجر ظالمًا ولا قاسيًا، فقد كان العثمانيون يرعون أديان الشعوب المحكومة، ويحترمون عاداتها، وظلت تركية متمسكة بهذه القاعدة إلى القرن العشرين، وما تعمدت قط أن تتمثل العناصر؛ بل اكتفت بفرض الضرائب عليهم. وقد رأينا الشعوب التي خضعت لحكم السلطنة أضاعت قوميتها، وكانت مع هذا أيام استعبادها أسعد حالًا من العصور المضطربة المحاربة أيام استقلالها، وربما لم تربح إلى اليوم من هذا التبدل في الحكم.
يقول كلود تسيهر: إنه مما لا يصكن إنكاره أن الأوامر القديمة التي وضعت للمسلمين الفاتحين إزاء أهل الكتاب الخاضعين لهم، أثناء هذه المرحلة الأولى من التطور الفقهي كانت قائمة على روح التسامح وعدم التعصب. وأن ما يشاهد اليوم مما يشبه أن يكون تسامحًا دينيًّا في علاقات الحكومات الإسلامية، ونجد ظواهر هذا التشريع في الإسلام في كتب الرحالة في القرن الثامن عشر يرجع إلى ما كان في النصف الأول من القرن السابع من مبادئ الحرية الدينية التي منحت لأهل الكتاب في مباشرة أعمالهم الدينية.