إن المسلمين قد سبقوا بناة الإمبراطورية من الأسبانيين والبرتغاليين في إظهار إخلاصهم لمعتقداتهم الدينية. فإن المسلمين قد تزاوجوا منذ البداية مع من تولوا هدايتهم إلى دينهم دون اعتبار لاختلاف الجنس؛ بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك فإن المجتمع الإسلامي قد ورث عن نص وارد في القرآن إقرارًا بطائفة من الأديان عدا الإسلام هي رغم ما بها من قصور أديان سماوية أصلية نزل بها الوحي وهذا الإقرار أسبغ على اليهود والمسيحيين أولًا، ثم اتسع فشمل بعد ذلك الزرادشيتين والهندوس.
يقول جورج حنا: إن المسلمين العرب لم يعرف عنهم القسوة والجور في معاملتهم للمسيحيين؛ بل كانوا يتركون لأهل الكتاب حرية العبادة وممارسة طقوسهم الدينية مكتفين بأخذ الجزية منهم.
لم يرو المؤرخون المسيحيون أنفسهم مثل هذه الوحشية التي مارسها الصليبيون عن المسلمين. لم يكن هؤلاء وحشيين في معاملة الأسرى الأهليين المسيحيين، فإذا انتصروا كانوا يكتفون بضرب الجزية على أعدائهم ولا يفظّعون بهم.
بعد معركة طبرية التي انتصر فيها صلاح الدين الأيوبي على خصمه الملك غي ده لوسينيان عفَّ صلاح الدين عن التفظيع بالأسرى الذين نجوا من الموت المريع أثناء المعركة، وجردهم من السلاح، وضرب عليهم الجزية وأطلق سراحهم مع قائدهم الملك
غي. وليست هذه الحادثة وحدها هي الدليل على الفرق الكبير بين معاملة الغزاة لأعدائهم وبين معاملة أعدائهم في واحدة من المئات التي جاءت في كتب التاريخ عن الحروب الصليبية ومعظمها لمؤرخين مسيحيين من الفرنج بالذات.
يقول أميل درمنغم: كانت الفتوح الإسلامية جزاءً مقدرًا، وخزيًا كبيرًا على النصرانية الشرقية المتفرقة المنحطة، وكان سلطان العرب غلًّا أكرهت به أوروبا على الصواب، فكان ظهور العرب ووعيدهم حافزين للنصرانية إلى سلوك سبيل الإصلاح والترقي.
لم يشرع الجهاد لهداية الناس بالسيف ففي القرآن: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] ، والقرآن يأمر المسلمين بالاعتدال وبألا يبدؤوا بالاعتداء.