ولم ينبه الله تعالى على ذلك في آية الشهوات؛ لأنه إنما ذكر منها ما يباح دون ما يحرم، وإذا كان الإنسان يفتتن بالزينة المباحة فيضل، ففتنته بالزينة المحرمة أشد ضلالة.
وقد روى الترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِيْ عَمَلُ قَوْمِ لُوْطٍ".
والذي لا يَشُك فيه عارف بأحوال الناس في هذه الأزمنة أنه ليس للهوى طريق على عقولهم أقوى فتنة ولا أبلغ أخذاً لقلوبهم من مخالطة
المرد الحسان، وما زينوهم به أبلغ من زينة النسوان، واسْتَرْوح فُسَّاقهم إليهم لسهولة معاشرتهم في الأسفار خصوصا من كان منهم مَلَك أيمانهم بسبب أنهم استخفوا باللواط في ملك اليمين، ويزعموه شبهة، وربما احتج شياطينهم إلى تأويل الآية.
ولا شك أن حمل الآية على ذلك، أو إدخاله في عمومها كفرٌ يخرج به من يركن إليه عن رِبْقة الإسلام.
وقد روى البزار عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ويلٌ لِلمَالِكِ مِنَ المَمْلُوْكِ، وَوَيْل لِلْمَمْلُوْكِ مِنَ الْمَالِكِ".
وهذا أعظم ما يكون بينهما من الويل.
وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"شَرُّ الْمَالِ فِيْ آخِرِ الزَّمَانِ الْمَمَالِيْكُ".
وسيأتي مزيد بيان في التشبه بقوم لوط.
وكذلك من فتنة النساء أن يطلب بعضهن من بعضهن ما يطلب الرجل من المرأة، أو المرأة من الرجل، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالسُّحق.
وفي الحديث"سُحْقُ النِّسَاءِ زِنَا بَيْنَهُنَّ".
وسبب ذلك أن الرجال اكتفوا بالرجال، فاكتفى النساء بالنساء، كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه يكون في آخر الزمان، وإذا استخفت المرأة بفعل ذلك مع مملوكتها كان كاستخفاف الرجل باللواط مع مملوكه، وهذا من مداخل الشيطان إلى النسوان كما أن ذلك من مداخله إلى الرجال، ويخشى على الرجل المعرض عن حليلته أن يبوء بإثمه وإثمها.
فَصْلٌ
ومن أصول الشهوات البنون؛ اقتصر عليهم لأن العرب ما كانوا يعدون البنات زينة، بل كان جهلاؤهم يعدونهنَّ عاراً وينبذونهن.