"وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ:"وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ"مَنْسُوخَةٌ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ تقرر بأن عدلوا لَوِ اسْتَوْلَى عَلَى مَكَّةَ وَقَالَ: لَأُقَاتِلُكُمْ، وَأَمْنَعُكُمْ مِنَ الْحَجِّ وَلَا أَبْرَحُ مِنْ مَكَّةَ لَوَجَبَ قِتَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالْقِتَالِ، فَمَكَّةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ سَوَاءٌ. وَإِنَّمَا قِيلَ فِيهَا: هِيَ حَرَامٌ تَعْظِيمًا لَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَوْمَ الْفَتْحِ وَقَالَ: (احْصُدْهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى تَلْقَانِي عَلَى الصَّفَا) حَتَّى جَاءَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ، فَلَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي تَعْظِيمِهَا: (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ) وَاللُّقَطَةُ بِهَا وَبِغَيْرِهَا سَوَاءٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ:"وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ" [البقرة: 193] . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:"حَضَرْتُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ- طَهَّرَهُ اللَّهُ- بِمَدْرَسَةِ أَبِي عُقْبَةَ الْحَنَفِيِّ، وَالْقَاضِي الزِّنْجَانِيُّ يُلْقِي عَلَيْنَا الدَّرْسَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ بَهِيُّ الْمَنْظَرِ عَلَى ظَهْرِهِ أَطْمَارٌ، فَسَلَّمَ سَلَامَ الْعُلَمَاءِ وَتَصَدَّرَ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ بِمَدَارِعَ الرِّعَاءِ، فَقَالَ الْقَاضِي الزِّنْجَانِيُّ: مَنِ السَّيِّدُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ سَلَبَهُ الشُّطَّارُ أَمْسِ، وَكَانَ مَقْصِدِي هَذَا الْحَرَمُ الْمُقَدَّسُ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ صَاغَانَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ. فَقَالَ الْقَاضِي مُبَادِرًا: سَلُوهُ- عَلَى الْعَادَةِ فِي إِكْرَامِ الْعُلَمَاءِ بِمُبَادَرَةِ سُؤَالِهِمْ- وَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ إِذَا الْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ هَلْ يُقْتَلُ أَمْ لَا؟ فَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ.