فَسُئِلَ عَنِ الدَّلِيلِ، فَقَالَ قَوْلَهُ تَعَالَى:"وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ"قُرِئَ"وَلَا تَقْتُلُوهُمْ، وَلَا تُقاتِلُوهُمْ"فَإِنْ قُرِئَ"وَلَا تَقْتُلُوهُمْ"فَالْمَسْأَلَةُ نَصٌّ، وَإِنْ قُرِئَ"وَلا تُقاتِلُوهُمْ"فَهُوَ تَنْبِيهٌ، لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنِ الْقِتَالِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقَتْلِ كَانَ دَلِيلًا بَيِّنًا ظَاهِرًا عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْقَتْلِ. فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي مُنْتَصِرًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يَرَ مَذْهَبَهُمَا، عَلَى الْعَادَةِ، فَقَالَ: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:
"فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" [التوبة: 5] . فَقَالَ لَهُ الصَّاغَانِيُّ: هَذَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ الْقَاضِي وَعِلْمِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي اعْتَرَضْتَ بِهَا عَامَّةً فِي الْأَمَاكِنِ، وَالَّتِي احْتَجَجْتُ بِهَا