{فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} ..
وقد أقر الإسلام معظم شعائر الحج التي كان العرب يؤدونها ، ونفى كل ما يمت إلى الأوثان وإلى أوهام الجاهلية ، وربط الشعائر التي أقرها بالتصور الإسلامي الجديد ، بوصفها شعائر إبراهيم التي علمه ربه إياها (وسيأتي تفصيل هذا عند الكلام على فريضة الحج فِي موضعه من سياق السورة) .. فأما العمرة فكالحج فِي شعائرها فيما عدا الوقوف بعرفة دون توقيت بمواقيت الحج. وفي كلا الحج والعمرة جعل الطواف بين الصفا المروة من شعائرهما.
ثم يختم الآية بتحسين التطوع بالخير إطلاقاً:
{ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم} ..
فيلمح إلى أن هذا الطواف من الخير ، وبذلك ينفي من النفوس كل حرج ، ويطيب القلوب بهذه الشعائر ، ويطمئنها على أن الله يعدها خيراً ، ويجازي عليها بالخير. وهو يعلم ما تنطوي عليه القلوب من نية وشعور.
ولا بد أن نقف لحظة أمام ذلك التعبير الموحي: {فإن الله شاكر...} .. إن المعنى المقصود أن الله يرضى عن ذلك الخير ويثيب عليه. ولكن كلمة {شاكر} تلقي ظلالاً ندية وراء هذا المعنى المجرد. تلقي ظلال الرضى الكامل ، حتى لكأنه الشكر من الرب للعبد. ومن ثم توحي بالأدب الواجب من العبد مع الرب. فإذا كان الرب يشكر لعبده الخير ، فماذا يصنع العبد ليوفي الرب حقه من الشكر والحمد؟؟ تلك ظلال التعبير القرآني التي تلمس الحس بكل ما فيها من الندى والرفق والجمال.
ومن بيان مشروعية الطواف بالصفا والمروة ينتقل السياق إلى الحملة على الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى ، وهم اليهود الذين سبق الحديث عنهم طويلا فِي سياق السورة. مما يوحي بأن دسائسهم لم تنقطع حول مسألة الاتجاه إلى المسجد الحرام وفرض الحج إليه أيضاً: