كانت الدعوة الجديدة قد هزت أرواحهم هزاً وتغلغلت فيها إلى الأعماق ، فأحدثت فيها انقلاباً نفسياً وشعورياً كاملاً ، حتى لينظرون بجفوة وتحرز إلى ماضيهم فِي الجاهلية ؛ ويحسون أن هذا شطر من حياتهم قد انفصلوا عنه انفصالاً كاملاً فلم يعد منهم ، ولم يعودوا منه ؛ وعاد دنساً ورجساً يتحرزون من الإلمام به!
وإن المتابع لسيرة هذه الفترة الأخيرة فِي حياة القوم ليحس بقوة أثر هذه العقيدة العجيب فِي تلك النفوس. يحس التغير الكامل فِي تصورهم للحياة. حتى لكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمسك بهذه النفوس فهزها هزة نفضت عنها كل رواسبها ، وأعادت تأليف ذراتها على نسق جديد ؛ كما تصنع الهزة الكهربية فِي تأليف ذرات الأجسام على نسق آخر غير الذي كان!
وهذا هو الإسلام.. هذا هو: انسلاخاً كاملاً عن كل ما فِي الجاهلية ، وتحرجاً بالغاً من كل أمر من أمور الجاهلية ، وحذراً دائماً من كل شعور وكل حركة كانت النفس تأتيها فِي الجاهلية. حتى يخلص القلب للتصور الجديد بكل ما يقتضيه.. فلما أن تم هذا فِي نفوس الجماعة المسلمة أخذ الإسلام يقرر ما يريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى ، مما لا يرى فيه بأساً. ولكن يربطه بعروة الإسلام بعد أن نزعه وقطعه عن أصله الجاهلي. فإذا أتاه المسلم فلا يأتيه لأنه كان يفعله فِي الجاهلية ؛ ولكن لأنه شعيرة جديدة من شعائر الإسلام ، تستمد أصلها من الإسلام.
وهنا نجد مثالا من هذا المنهج التربوي العميق. إذ يبدأ القرآن بتقرير أن الصفا والمروة من شعائر الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ..
فإذا أطوف بهما مطوف ، فإنما يؤدي شعيرة من شعائر الله ؛ وإنما يقصد بالطواف بينهما إلى الله. ولقد انقطع ما بين هذا الطواف الجديد وطواف الجاهلية الموروث ؛ وتعلق الأمر بالله - سبحانه - لا بأساف ونائلة وغيرهما من أصنام الجاهلية!
ومن ثم فلا حرج ولا تأثم. فالأمر غير الأمر ، والاتجاه غير الاتجاه: