وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنُوا إجَازَةَ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِلْخَرَزِ دُونَ جَوَازِ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ لَمَّا شَاهَدُوا الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ يُقِرُّونَ الْأَسَاكِفَةَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ظَهَرَ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ ، فَصَارَ هَذَا عِنْدَهُمْ إجْمَاعًا مِنْ السَّلَفِ عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَظُهُورُ الْعَمَلِ مِنْ الْعَامَّةِ فِي شَيْءٍ مَعَ إقْرَارِ السَّلَفِ إيَّاهُمْ عَلَيْهِ وَتَرْكِهِمْ النَّكِيرَ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ إبَاحَتَهُ عِنْدَهُمْ.
وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالُوا فِي إبَاحَةِ دُخُولِ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ أُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَلَا مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ لِمَا يَسْتَعْمِلُهُ مِنْ الْمَاءِ وَلَا مِقْدَارِ مُدَّةِ لُبْثِهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا
كَانَ ظَاهِرًا مُسْتَفِيضًا فِي عَهْدِ السَّلَفِ مِنْ غَيْرِ مُنْكِرٍ بِهِ عَلَى فَاعِلِيهِ ، فَصَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الِاسْتِصْنَاعِ إنَّهُمْ أَجَازُوهُ لِعَمَلِ النَّاسِ ، وَمُرَادُهُمْ فِيهِ إقْرَارُ السَّلَفِ الْكَافَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَتَرْكُهُمْ النَّكِيرَ عَلَيْهِمْ فِي اسْتِعْمَالِهِ ، فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي جَوَازِهِ ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي خِنْزِيرِ الْمَاءِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا:"لَا يُؤْكَلُ".
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ:"لَا بَأْسَ بِأَكْلِ كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ".
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:"لَا بَأْسَ بِخِنْزِيرِ الْمَاءِ".
وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ حِمَارَ الْمَاءِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ:"لَا يُؤْكَلُ إنْسَانُ الْمَاءِ وَلَا خِنْزِيرُ الْمَاءِ".