الْحَرَامِ وَتَأْكِيدِهِ فَقَالَ: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (مَوْلَاهَا) أَيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ وِجْهَةٌ تُوَلِّيهَا فِي صَلَاتِهَا، فَلَمْ تَكُنْ جِهَةٌ مِنَ الْجِهَاتِ قِبْلَةً فِي كُلِّ مِلَّةٍ بِحَيْثُ تُعَدُّ رُكْنًا ثَابِتًا فِي الدِّينِ الْمُطْلَقِ كَتَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَالْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، فَإِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ كَانَا يُوَلِّيَانِ الْكَعْبَةَ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَسْتَقْبِلُونَ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَرَكَ النَّصَارَى ذَلِكَ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْمَشْرِقِ، وَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ يَسْتَقْبِلُونَ جِهَاتٍ أُخْرَى، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَلَمْ تَكُنْ جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ رُكْنًا ثَابِتًا فِي الْأَدْيَانِ فَأَيَّةُ شُبْهَةٍ مِنَ الْعَقْلِ أَوْ مِنْ تَقَالِيدِ الْمِلَلِ عَلَى فِتْنَةِ الْمُشَاغِبِينَ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ، وَأَيُّ وَجْهٍ لِمَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ وَالْحَيْرَةِ، وَزَجُّوا أَنْفُسَهُمْ فِيهِ مِنَ
الْغُمَّةِ، حَتَّى جَعَلُوهُ مُسَوِّغًا لِلطَّعْنِ فِي النُّبُوَّةِ وَالتَّشْرِيعِ؟ وَسَيَأْتِي إِيضَاحٌ لِهَذِهِ الْحُجَّةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَيْسَ الْبَرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبْلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (2: 177) إِلَخْ.