غير أن الجالية الإسرائيلية بالمدينة وما حولها التي ناصبت الإسلام العداء من أول وهلة، وتصدت له بالمقاومة الدعائية سرا وعلنا، والتي واجهها الإسلام بحججه الباهرة، وبراهينه القاهرة، فكشف الستار عن ماضيها وحاضرها، وألقى عليها من الأضواء ما لم يسبق له نظير، أخذت تستغل، في سبيل الدفاع عن نفسها وعن موقفها، مسألة اتجاه المسلمين أنفسهم إلى بيت المقدس، واتخذت من ذلك ذريعة إلى القول بأنها هي وحدها التي على الحق، وأن ملتها هي الملة المثلى التي تقتدي بها بقية الملل، وكانت تظن أن هذا الاختيار النبوي المؤقت إنما هو اختيار نهائي بالنسبة للقبلة الإسلامية، وأنها يمكن أن تستغله لبلبلة الأفكار زمنا طويلا.
إلا أن قوة الإسلام التي مضت تنمو مع الأيام في المدينة وما حولها، ودعوة الحنيفية السمحة التي أخذت توتي أكلها بين قادة الشرك في مكة، حيث عرفتهم وجه الحق في نشأة البيت الحرام، الوظيفة الأساسية التي أقامه من أجلها إبراهيم وإسماعيل،
والأولوية التي يتمتع بها هذا البيت بين كافة بيوت الله في الأرض، كل ذلك مهد الجو لإعادة الحق إلى نصابه، وانتصار العقيدة الإسلامية الإبراهيمية في طبيعة المسجد الحرام ورسالته الخالدة.