وَأَمَا قَوْلُهُ: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مَا مِنْ مَزِيدٍ قَالُوا: وَإِنَّمَا يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: هَلِ امْتَلَأَتِ بَعْدَ أَنْ يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطِ قَطِ، مِنْ تَضَايُقِهَا؛ فَإِذَا قَالَ لَهَا وَقَدْ صَارَتْ كَذَلِكَ: هَلِ امْتَلَأَتِ؟ قَالَتْ حِينَئِذٍ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ: أَيْ مَا مِنْ مَزِيدٍ، لِشِدَّةِ امْتِلَائِهَا، وَتَضَايُقِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ الْمَلِكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُهُ {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} فَلَمَّا بُعِثَ النَّاسُ وَأُحْضِرُوا، وَسِيقَ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ زُمَرًا، جَعَلُوا يَقْتَحِمُونَ فِي جَهَنَّمَ فَوْجًا فَوْجًا، لَا يُلْقَى فِي جَهَنَّمَ شَيْءٌ إِلَّا ذَهَبَ فِيهَا، وَلَا يَمْلَأُهَا شَيْءٌ، قَالَتْ: أَلَسْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ لَتَمْلَأَنِّي مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؟ فَوَضَعَ قَدَمَهُ، فَقَالَتْ حِينَ وَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا: قَدِ قَدِ، فَإِنِّي قَدِ امْتَلَأْتُ، فَلَيْسَ لِي مَزِيدٌ، وَلَمْ يَكُنْ يَمْلَأُهَا شَيْءٌ، حَتَّى وَجَدَتْ مَسَّ مَا وَضَعَ عَلَيْهَا، فَتَضَايَقَتْ حِينَ جَعَلَ عَلَيْهَا مَا جَعَلَ، فَامْتَلَأَتْ فَمَا فِيهَا مَوْضِعُ إِبْرَةٍ"
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"وَعَدَهَا اللَّهُ لَيَمْلَأَنَّهَا، فَقَالَ: هَلَّا وَفَّيْتُكِ؟ قَالَتْ: وَهَلْ مِنْ مَسْلَكٍ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: زِدْنِي، إِنَّمَا هُوَ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، بِمَعْنَى الِاسْتِزَادَةِ.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ:"يُلْقَى فِي جَهَنَّمَ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ثَلَاثًا، حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ، ثَلَاثًا"
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِزَادَةِ، هَلْ مِنْ شَيْءٍ أَزْدَادُهُ؟ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ