ثم قصر لهم مدة المحنة وزهدهم في الحياة بقوله: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) .
أخبر الله جل من مخبر أن هذه الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر،
وما عدا ذلك فهو آخرة، فإن كان إيمانًا وتقوى وذكر الله - جل ذكره - وما جر إليه
فهو رضا لله ورضوانه، وما بينه وبين الجنة إلا أن يثبته الله على ذلك ويموت، وإن
كان غير ذلك من كفر أو عصيان فهو بعد عن الله ولعن منه، وما بينه وبين النار إلا
أن يموت، لكن على النشء، فالدار الوسطى أكبر من هذه والدار الآخرة أعظم
وأكبر حدّا.
(فصل)
ولا يجوز لإمام المسلمين أن يدعو إلى السلم ولا أن يجيب إليه وبالمسلمين
قوة على عدوهم وظفر عليهم، ولا يحل له ترك الجهاد في سبيل الله على حال إلا
لمعنى يظهر فيه النظر للمسلمين عليه برهان من الله ظاهر، ومتى لم يجاهد في
سبيل الله انصرف بأسه على المسلمين، وقد تقدم معنى ذلك.
نظم بذلك قوله - جلَّ جلالُه: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) نبه على المعنى
الواجب الوجود متى لم يقاتل القوم والإمام في سبيل الله، ولم ينفقوا أموالهم
وأنفسهم سئلوا أموالهم، ومتى سئلوا أموالهم بخلوا، فإن أكرهوا على ذلك أشحنوا
ضغائن وأحقاد، ولم يكن من الإمام لهم نصيحة ولا منهم للإمام ولا من بعضهم
لبعض وكان الخلاف، وفي ذلك هي الخالفة، وهو إنذار منه - جلَّ جلالُه - بما يكون بعد، وما
ذكر شيئًا إلا كان منه ما شاء الله.
نظم بذلك قوله - جلَّ جلالُه: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ...(38) .
متى كان الخلاف وقع النذائر وذهب التناصر والتناصح، و"الدين النصيحة"فقد كان ذلك
استبدل من العرب غيرهم ثم لم يلحقهم بأن يكونوا مثلهم وكل ذلك عقوبة
الإعراض والتولي عن الحق. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 5/ 147 - 153} ...